طرحت مسيرات العودة التي انطلقت قبل أسابيع شكلا مختلفا من أشكال مواجهة الحصار الخانق على قطاع غزة؛ فبعد ثلاث مواجهات كبرى مع الاحتلال وعشرات من الاحتكاكات التي طغى فيها الاشتباك المسلح على غيره من الأدوات النضالية المختلفة، كنا على موعد مع حراك أراد له القائمون عليه أن يكون سلميا، وأن يظل كذلك مهما تعرض لاستفزاز المحتل الصهيوني، وهو ما أثار حالة من الاستياء لدى بعض القطاعات التي كانت تدعو إلى فعل مسلح من طرف الفصائل المقاومة ردا على الجرائم المتلاحقة التي بلغت ذروتها في ذكرى النكبة.

لا غرابة في ذلك، فتاريخ الكفاح الفلسطيني، على الأقل في زمن الانتفاضتين، يدفع في هذا الاتجاه، حيث كانت الفعاليات الجماهيرية في الأراضي المحتلة ذات طابع سلمي في البداية، غير أنها سرعان ما نحت نتيجة للتصعيد الصهيوني إلى العمل المقاوم المسلح الذي هيمن على الصورة لتتوارى الفعاليات الاحتجاجية الشعبية إلى الوراء ولا يبقى إلا صوت السلاح الثائر. ومع ذلك فإنه من المبكر جدا الحديث عن تحول جذري في الوعي النضالي الفلسطيني باتجاه المقاومة السلمية وإنما هي محاولات لتنزيل هذا الخيار جزئيا أو كليا، وقد سبقها قبل ذلك بسنوات سعي من طرف سلطة رام الله لإحلالها بديلا عن الانتفاضة الثانية لكنها اتسمت بالضعف والبرودة، ذلك أنها كانت مجرد محاولة تلفيقية لامتصاص الغضب الجماهيري لا أقل ولا أكثر.

عموما فإن استحضار كفاح اللاعنف والدعوة لاستنباته في البيئة الفلسطينية مسألة مفهومة، إذ أنه وعلى امتداد سنوات الصراع، كانت كل تجارب التحرر العالمي الكبرى ملهمة للفلسطينيين وتحظى بقدر معتبر من الأنصار، وهو ما يفسر تعدد التيارات والمقاربات الداخلية في التعاطي مع قضية التحرر الوطني. بالنسبة للمقاومة السلمية فالحديث عنها لا يمكن أن يختزل في بعض أدواتها، ذلك أننا أمام فلسفة تصبغ الصراع بلونها الخاص، فالواجب قبل أن نبدي الحماس المفرط لها أن ننظر في مدى ملاءمتها للواقع الفلسطيني ونجاعتها في تحقيق غاياته العظمى.

رهان كفاح اللاعنف الأكبر يرتكز أساسا، كما بات يقدم اليوم، على الجانب الأخلاقي. فالقوة مهما كانت طاغية ستتداعى أمام أخلاقية الطرف المقاوم، حيث يبدأ الطرف المعتدي بالإحساس بالإحراج المتنامي، فتتململ أركانه وقواعده التي تشعر بفداحة ما ترتكبه بحق قوة عزلاء لتشكل فيما بعد ضغطا على صانع قرارها المباشر، وحتى إن تمنع فلا بد لصورة الضحية أن تدفع الرأي العام الخارجي للتدخل لوقفه عن غيه وتحقيق أهداف الشعب المنتفض.

الحقيقة أننا أمام وصفة مثالية لا تنسجم مع طبائع البشر، فحتى تجارب المقاومة السلمية الناجحة لم تكن لتعول كثيرا على استيقاظ ضمائر المستبدين، والإنجازات التي حققتها لم تكن إلا بسبب امتلاكها أوراق ضغط حقيقية تضعف سطوة ذلك النظام المتجبر، الشيء الذي يجعل من كل من هم على سفينته يسارعون في القفز منها قبل أن تغرق بمن فيهم العناصر الشرطية والعسكرية بمختلف مستوياتها.

هذا في حالة انتماء ذلك الطرف المعادي لذات النسيج الذي ينتمي إليه المحتجون عليه والذي يفترض بقطاعات من معسكر النظام أن تستشعر وحدة المصير مع شعبها وتوقظ الروابط العائلية والقبلية وغيرها التي تجمعها به، ومع ذلك فإن زعزعة أركان النظام من هذا الباب أمر صعب للغاية، فما بالك إن كان العدو محتلا خارجيا ذا طبيعة استيطانية إحلالية، مما يجعله يذهب بالصراع إلى الاتجاه الصفري غير آبه بمآلات جرائمه. فإما أن يكون أو لا يكون. ثم إن أدوات المقاومة الشعبية المتعارف عليها مثل العصيان المدني والمقاطعة الاقتصادية والتي قد تشل الطرف المعادي تفقد كثيرا من فعالياتها في البيئة الفلسطينية بسبب الجغرافية المقطعة الأوصال وكذا بسبب محدودية التأثير في الاقتصاد الصهيوني مما يجعلها غير قادرة على حسم المعركة لصالحها.

كما أن التعويل على كوابح خارجية لردع الاحتلال الصهيوني في ظل المحيط الإقليمي والدولي الحالي وجعله ينصاع للحق الفلسطيني يعد ضربا من الخيال مع ولاء ذلك المحيط المطلق للصهيونية، وقد جرب عدد من القوى الحرة في أكثر من محطة محاصرة الكيان خارجيا، فكلما ظنوا أنهم أحكموا الطوق على عنق الكيان الصهيوني وبعض قادته كلما انفلت منهم. وما يزيد من عدم صوابية انتظار الفرج من الخارج أنه سيؤثر في خطاب المقاومة ويجعلها رهينة لاشتراطات المبتزين الغربيين واستدرار عطفهم مما يشلها عن دائرة الفعل مخافة فقدان رصيدها لديهم.

لا ينبغي أن يفهم مما سبق التنقيص من أي شكل جماهيري يتخذ طابع السلمية، إنما الحديث هنا عن رفضنا لأن يوضع في إطار يخنقه ويرفع سقف التوقعات عليه مراهنا على وهم تحرك ضمير المحتل أو داعميه من قوى الاستكبار العالمي. هذا لا يعني كذلك الانغلاق على الذات ورفض مخاطبة الآخر أو الاستهانة بتعاطفه أو دعمه، إنما القصد أن يتم التعامل مع هذا الدعم بواقعية وإدراك أنه دعم يسند القضية ويخفف عنها الضربات، لكنه لا يصل إلى القدرة على بلوغ دائرة القرار الغربي المركزية المتشبعة بالرواية الصهيونية.

 الأشكال النضالية السلمية مطلوبة، لكن بعيدا عن كفاح اللاعنف الذي لا تتوفر شروطه فلسطينيا، حيث إنها لازمة للتعبئة الشاملة وتنمية الحاضنة المجتمعية للمقاومة ومنع عزلها عن الجماهير، فهي خادمة لها وليست بديلا عنها.