العيد يوم ذكر وعبادة …

 شرع الله تعالى للمسلمين عيد الفطر بعد أن بلغهم بواسع فضله وكرمه شهر رمضان المعظم، ووفقهم لصيامه وقيامه إيمانا واحتسابا، فجعل المولى الكريم عبادة العيد تتويجا لفريضة الصيام إظهارا للفرح بكرم الله وشكرا لنعمه التي تتوالى على عباده المؤمنين، وجعل هذا اليوم للشكر والذكر والعبادة والصلاة الجامعة بخطبة للموعظة والذكرى والدعاء. ومن فضله تعالى أن جعل هذه النفحات والمكرمات الربانية تتجدد في كل وقت وحين لتدوم صلة العبد بربه في كل لحظات حياته، في فرحه وحزنه حتى تترسخ قدمه في العبادة وتتحقق فيها معاني العبودية لله الحق، فتكون العبادة لب حياته وعنوانها. فلا ينبغي للمسلم أن يطلق عنان نفسه في اتباع الشهوات والتوسع في المباحات بحجة اظهار الفرح في العيد حتى يسقط في المحظورات التي تتنافى مع مقاصده وحكمه الشرعية، وفي إفساد ما فيه من نفحات العبادة بالذنوب والزلات: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ 1. فالعيد في ديننا يوم ذكر وشكر وعبادة لا يوم لهو وترف وغفلة.

فرحة العيد…

جعل الله تعالى يوم عيد الفطر يوم فرح وبهجة وسرور وترويح على النفس وتوسعة على العيال في حدود الآداب الإسلامية والضوابط الشرعية. فمن مقاصد هذا اليوم المبارك وسننه المطلوبة أن يظهر المسلم نعمة الله عليه شكرا له بعد أن مد في عمره حتى بلغه رمضان ووفقه لصيامه وقيامه فضلا منه سبحانه ونعمة: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ 2، فالفرح بكرم الله وفضل الله شكرا لله الذي جعل للصائم فرحتين كما قال عليه الصلاة والسلام: “للصائم فرحتان: إذا أفطر فرح بفطره، وإذا لقي ربه فرح بصومه” 3. فسمى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفطر يوم الجائزة؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إذا كان يوم الفطر وقفت الملائكة على أبواب الطرق فنادوا تغدوا يا معشر المسلمين إلى رب كريم يمن بالخير ثم يثيب عليه الجزيل لقد أمرتم بقيام الليل فقمتم وأمرتم بصيام النهار فصمتم وأطعتم ربكم فاقبضوا جوائزكم فإذا صلوا نادى مناد ألا إن ربكم قد غفر لكم فارجعوا راشدين إلى رحالكم فهو يوم الجائزة ويسمى ذلك اليوم في السماء يوم الجائزة” 4. وتتعدد مظاهر إبداء هذا الفرح في هذا اليوم بالتكبير والتسبيح والتهليل وحمد الله ولبس الجديد من الثياب واكرام الأهل وادخال السرور عليهم خاصة الأطفال وذوي الحاجات والسلام على الجار وتهنئة الناس جميعا بإشراقة هذا اليوم السعيد. لكن مهما بلغت فرحة المؤمن بنعم ربه لا تنسيه ما يعيشه إخوانه في الدين في بقاع الأرض من أحزان جراء الظلم والاضطهاد والاحتلال، خاصة في أرض الرباط والجهاد فلسطين المحتلة. وبقدر ما يتلألأ وجه المؤمن فرحا بالعيد يكاد قلبه يتفطر حزنا على آلام المسلمين المعذبين في الأرض، فمن يمسح دمعة أيتامهم ويواسي أراملهم ويضمد جراحهم فلا أقل أن يواسيهم بالدعاء الواصل والتهمم الدائم بأمرهم.

العيد فرصة لتجديد الصلة…

أعظم بها من لوحة تلك التي يرسمها المسلمون وهم صفوف متحدون متراصون كالجسد الواحد في مصليات العيد إخوانا على سرر متحابين فرحين مستبشرين بما أعده الله لهم من فضائل ومنن وجوائز. ولا أروع من صورة العيد حين يتصافح المسلمون ويتعانقون وقلوبهم تفيض محبة وأخوة وتتلاشى بينهم الفوارق والشحناء والخصومات وتتجدد روابط الاخوة في الله بينهم، إنه عنوان حضارة مجتمع العمران الأخوي. ولا يكتفي المسلم بإظهار صلته بأخيه بمجرد تقديم التهاني العابرة والزيارات العادية بل يتجاوزها بالتقرب إلى الله في هذا اليوم بزكاة الفطر التي شرعها الله طهرة للصائم وطعمة للمحتاجين، ولحكمة ربانية بليغة لم يستثن منها أحدا من أفراد المجتمع الإسلامي صغارا وكبارا أغنياء وفقراء، حتى تعم بركة المواساة والتضامن كل المسلمين. فجعل للصلة في العيد بعدا عمليا كي لا تكون مجرد ابتسامة عابرة أو مصافحة جافة. معاني تتجدد مع إشراقة كل عيد.

العيد فرصة قدسية لصلة الرحم وتقويتها بالزيارة والتهنئة والاتصال بكل الوسائل المتاحة، كيف لا والرحم معلقة بعرش الرحمان تقول: “من وصلني وصله الله ومن قطعني قطعه الله” كما أخبر بذلك نبي الرحمة في ما رواه البخاري في صحيحه.

العيد يوم ذكر وشكر وعبادة وفرصة لصلة الرحم والمواساة فرحا بنعم الله وتعظيما لشعائر الدين الحنيف. مكرمات ونفحات ربانية تتجدد في مواسم الخير والطاعات، وتتجدد معها عبودية المسلمين لربهم وأواصر الأخوة والمحبة فيما بينهم. ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون 5.


[1] سورة محمد 33
[2] سورة 58
[3] متفق عليه
[4] أخرجه الطبراني في المعجم الكبير وذكره الامام عبد السلام ياسين في شعب الايمان ج 1
[5] سورة البقرة 185