كان الإعلام بأشكاله المتنوعة ولا يزال أهم أداة لتبادل وتعميم المعلومات للصغار والكبار. ولا مفر منه لمن أراد الانخراط في عالم المعرفة. وقد أصبح اليوم أهم مؤثر في حياة الناس؛ يوجه الأسرة والأطفال نحو المنظور المخطط له سلفا، بواسطة أدوار تعليمية ترفيهية تثقيفية. يستثمر الاحتياجات الإنسانية في مرحلة الطفولة، وخاصة حاجات النمو العقلي مثل: الحاجة إلى البحث والحاجة إلى حب المعرفة وحب الاستطلاع. ويتدخل بقوة قوالبه الجمالية الجذابة في التنشئة الاجتماعية لتشكيل المبادئ والمواقف والهوية، وفي تشكيل الشخصية المجتمعية المستقبلية على المدى القريب والبعيد. يركز على الطفل باعتباره قابلا للتشكيل المباشر طبقا للمواصفات المحددة. ولذلك يسعى إلى تشكيله بالشكل المطلوب، لتحديد سلوك إنسان المستقبل، قصد التحكم في مصير العالم.

 وتوظيفه الإيجابي يكمن في أهميته التربوية ومخاطبته للعقل الباطن بما يناسب فطرة الإنسان. فالقلب عبارة عن جهاز استقبال قابل لالتقاط كل ما تبثه الكتب والقصص والصحف والمجلات والصفحات الإلكترونية وما تبثه الإذاعات والفضائيات. يتوصل الأطفال بصورها بواسطة حاسة السمع وحاسة البصر، فيفحصها أولا، فإن قبل دلالتها تسلمها العقل الباطني وأخذت مكانتها في أعماق العقل. فتصبح مع الزمن جزءا مكونا لمنطلقات العملية التفكيرية والعملية التخيلية. ومن ثم تكون لها القدرة على توجيه المبادئ والمعتقدات. أما إن رفضها فإنها تحرم من التحكم في العملية التفكيرية والتخيلية وتفقد القدرة التوجيهية.

 تدخل المادة الإعلامية المصورة للعقل الفطري لدى الأطفال مباشرة بدون تمحيص منه ولا رقيب، فتستوطنه، فكرة وصورة، إذا لم يُزود بمرشحات تساعده على التمييز. ذلك أن العقل النقدي عند الأطفال لم ينْمُ بعد، وبالتالي فهو لا يميز بين الواقع والخيال. فالأطفال يقبلون كل ما يرونه ويسمعونه. ويأخذونه كما تسلموه بدون تمحيص ولا تعديل، فينطبع في عقولهم. والمشكلة تبدأ بانطباع صور الرذيلة في أعماق عقولهم، إذ يختلط عليهم الحق بالباطل. وقد يصير الباطل عندهم حقا والحق باطلا.

 ولذلك فالإعلام في ميدان التربية أداة ذات حدين. إن تم توظيفه لتربية الأبناء تربية سليمة أعطى نتائج جيدة، واستفاد الأطفال واستفادت الأمة. وإن تم استخدامه لتدجين عقول الأطفال أو تخريبها أعطى نتائج مدمرة للأطفال وللأمة المسلمة. هنا تكمن الخطورة إذا لم نقم بتحصين أبنائنا في الصغر. فإن نحن أهملناهم وتراخينا في تربية النشء على حب الله وحب رسوله صلى الله عليه وسلم وعلى شعب الإيمان فإنهم يصيرون عرضة للأفكار الهدامة التي تستهدف المسلمين.

 الخطة الاستراتيجية لأعداء الأمة في الداخل والخارج هي تدجين عقول المسلمين. لذلك فهم يركزون على تخريب عقول الأطفال. والإعلام أقوى أداة توظف لهذا الغرض. “ما زالت وسائل الإعلام العملاقة، العالمية الوسائل، القزمة المضمون أداة تخريب للأخلاق، وإفساد للنشء، وأداة ترويج على نطاق عالمي لرذائل ولدت هنا وهناك”. 1

 فالمتحكمون في هذه الوسائل يعملون على نقل الجانب السلبي من أخلاق وأنماط حياة البيئات الأخرى إلى أبنائنا. ويركزون على ضرب الثقة في النفس والتربية على العنف وعلى عرض المهيجات الجنسية الأكثر إثارة للغرائز البهيمية في وقت مبكر. ولا يَمَلون من المحاولة وتكرار المحاولة لإحداث التأثير السلبي فيهم وإفساد فطرة النشء، “فإذا فسدت الفطرة تأمَّرَ العقلُ، وتمرد على القلب ومعانيه.” 2 وهذا الهجوم بهذه الأدوات يشكل خطورة على الفطرة السليمة ما لم يتصد لها المربون والآباء والأساتذة والمتخصصون.

 وبما أننا في زمن الاتصال المفتوح على العالم بأسره فإننا لا نستطيع منع الأطفال من وسائل زمنهم. فهم عرضة للبرامج الإذاعية الموجهة للدول المستضعفة، عرضة للألعاب الإلكترونية التي أصبحت في متناولهم. وهي تعمل تدريجيا على برمجة عقولهم. ولذلك فإننا مدعوون للعمل بسرعة توازي أ وتضاهي سرعة التأثير الإعلامي على أبنائنا. والعمل بناء وحماية.

 فالبناء المناسب لمخاطبة أبناء الأمة المسلمة هو إعلام يخاطب عقول الأطفال ببرامج تستمد معانيها من القرآن الكريم وشعب الإيمان بما يحفظ الفطرة ويرقى بها في مدارج الإحسان. إعلام راق وجذاب، يتشرب منه الأطفال تدريجيا بما يناسب أعمارهم واستعداد كل منهم، وبما يبني شخصيتهم المؤمنة القوية الشاهدة بالقسط. إعلام قادر على مخاطبة العقل الباطني بالصوت والصور وأحاسيس جذابة تستمد من المعين الصاف، كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. إعلام في مستوى إعداد جيل يقود الأمة بشرع الله عز وجل. وإذا كانت القوالب الحاملة للأفكار عقيمة ولا تخاطب العقل العميق لدى الناشئة فإنها لن تكون قادرة على منافسة الأثر الإعلامي الممنهج.

 والبناء وحده لا يكفي إذا كانت الأمة مغلوبة على أمرها مستهدفة من طرف أعدائها. لا يكفي أن يكون معنا من الحق ما نقدمه لأبنائها في غفلة عن قدرات من يتربص بنا. نحتاج لا شك لحماية صرح البناء ومراقبة التأثير الإعلامي الذي يُمارس على الأطفال، لمواجهة الأفكار المدسوسة بما يناسبها. لذلك فالمراقبة حاجة مستمرة لِمَا تم بناؤه. ندرس التأثير ونصنفه إلى نافع وضار كي نتمكن من توجيه النشء الوجهة الصحيحة. نحن في حاجة لمراقبة المدخلات المحصلة لديهم بين الحين والآخر. نخلق فرصا تعبيرية تمنح المجال لخيال الأطفال كي يكشف، بشكل حر وبدون قيد، عمّا ينطوي عليه، علما بأن الخيال أداة اختبار جيدة في هذا الاتجاه. نعطي للأطفال تمرينات شفوية تعتمد على قوة الخيال ثم نتركهم يعبرون. ونلاحظ من تعبيرهم تشكيل قناعاتهم، فيتضح لنا مدى تشربهم من شعب الإيمان ومدى تأثرهم بالأفكار التي وصلت إليهم على أجنحة الصورة الإعلامية الفاسدة. ودور المربي الحكيم هو خلق وضعيات تربوية وألعاب مسلية تضع بصمتها على العقل الباطني للأطفال بغرض قطع الطريق على الأفكار الفاسدة وبتصحيح المسار لتعديل السلوك.

 ومع ذلك تبقى قابلية الاستقبال مفتوحة لديهم لكل جديد بنسبة من النسب. يتعهدها المربي بالمعالجة وبالدعاء وطلب لطف الله اللطيف.


[1] عبد السلام ياسين. الشورى والديمقراطية. ص 91.
[2] إمامة الأمة. ص 125.