5   +   7   =  

مقدمة

عيد الفطر والأضحى، شعيرة من شعائر ديننا الحنيف، يعقبان ركنين من أركان الإسلام، فعيد الفطر يهل على الأمة بعد فريضة الصيام، وعيد الأضحى يسطع نوره على المسلمين بعد فريضة الحج، وتلك حكمة عظيمة، من حكم شرع ربنا، فالله جلت قدرته ربط فرحة العيد واحتفاله والاحتفاءبه، بفضل الله ورحمته وتوفيقه، قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ 1، وإذا كانت جل الأعياد ترتبط بتمجيد الأشخاص والأحداث، وربما تنزلق بعضها في عالمنا الحديث إلى ما لا يحمد عقباه، حيث يطلق العنان للهوى الجامح، ففرحة المسلم في عيده شعيرة من شعائر الله، أبيح له فيه بالترويح عن نفسه وأسرته بكل مظاهر البهجة، والتوسيع على أهله نفقة وأكلا وشربا وكساء، لكن كل ذلك موصول بشكر الله وذكره، موثوق بقيم النبل والوفاء، طاعة لله ورسوله: وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ 2.

فرحة عند فطره

يفتتح المسلم عيده بصلته بالله، ذكرا وصلاة، يستمع خطبة العيد تذكره بفضل ربه، وتبشره بمآل عبادته، واستجابته لربه صياما وزكاة وصلاة، (قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّىٰ تصدق صدقة الفطر وَذَكَرَ ٱسْمَ رَبِّهِ كبر يوم العيد فَصَلَّىٰ صلاة العيد) 3، كل ذلك في جمع بهيج مع إخوانه المسلمين، في وقت واحد أو يكاد، وفي صف مرصوص ووجهة واحدة، وتكبير واحد للواحد الأحد، يجسد معنى عظيما، ومظهرا من مظاهر وحدة المسلمين التي ارتضاها الله لعباده، و درسا وعبرة يأخذونها من مناسبة عيدهم، ويزداد هذا المعنى تلاحما، عندما يمدون أيديهم لبعضهم البعض يتصافحون ويباركون ويدعون. إن العيد الذي يستهل بهذه الأعمال العظيمة الجليلة، لا يقف أثره عند الابتسامة العابرة، ولا الفرحة الطائفة، ولكنه يغرس فينا جيلا عن جيل قيم أمة لا انفصام فيها أصلا، ولا تمزق في شخصية أبنائها منهاجا، فأفراحهم كما أتراحهم موصولة بالله شكرا وعرفانا، بانية لمجتمعهم الراشد وحدة وتعاونا وأخوة وإحسانا، فبعدما صاموا نهارهم وقاموا ليلهم، تقربا لمولاهم، أدوا زكاة فطرهم، لتلتقي وتتلاحم قدرة غنيهم، مع ضعف فقيرهم، وقد لبوا نداء الحبيب صلى الله عليه وسلم: “مَن نَفَّسَ عن مؤمن كربةً من كرب الدنيا، نفّس اللَّهُ عنه كربةً من كرب يوم القيامة” 4، وتتسع دائرة الصلة بين الأقارب، في جو مفعم بالفرحة والمحبة، وكيف لا يسعون لذلك، وهم يسمعون قول نبيهم صلى الله عليه وسلم: “الرحم معلقة بالعرش تقول: من وصلني وصله الله، ومن قطعني قطعه الله” 5. وبذلك تكتمل فرحتهم العاجلة بالعيد وتعم “للصائم فرحتان” – الأولى- “فرحه حين يفطر” 6، إنها معاني تتجدد عبر الأزمان والسنون، تصل الأمة بحاضرها وماضيها، ومعها تتجدد الإرادة، ويصحح المسار، وتتجاوز الكبوات، إن وجد في الأمة من يجدد ويقود، ومن يجيب داعي الله ويعود، وليس ذلك على الله بعزيز، مادامت الذكرى حية بيننا وقائمة فينا.

وفرحة عند لقاء ربه

إنها الصورة المثالية، التي يربى عليها المسلم، وينعم في الحياة في ظل شريعة غراء محكمة، لا تتنكر لرغباته المشروعة من الفرح واللهو والتمتع بما حل وطاب من دنيا الناس، وفي نفس الآن تربط صلته بالله تعالى في دنياه، وبمصيره الأخروي جزاء عطاء، فإذا كانت فرحته بفطره يوم العيد، قد أتت أكلها، وقد انتقل من زمن عبادة الصيام أياما معدودات، فأحل له الأكل والشرب وما والاه، وقد ابتهجت نفسه بما يراه ويعيشه حواليه من مظاهر الفرحة، فهاهي البشرى تأتيه ممن لا ينطق عن الهوى، بما ادخره الله له في الآجلة من فرحة ثانية هي أجل وأعظم من عاجلتها: “للصائم فرحتان: فرحه حين يفطر، وفرحة حين يلقى ربه” 7، إنه الجزاء الأوفى الذي ينتظر الصائم، وقد وعده ربه سبحانه بادخاره في طي غيبه حتى يلقاه، “كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصِّيَامَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ” 8، إنها المكرمة الربانية التي يخص الله بها الصائمين، يوم ينادى عليهم على رؤوس الأشهاد، أن هلموا لتنفردوا بالدخول من بابكم، المفضي إلى الجنة “إِنَّ لِلْجَنَّةِ ثَمَانِيَةَ أَبْوَابٍ، فِيهَا بَابٌ يُسَمَّى الرَّيَّانُ لا يَدْخُلُهُ إِلَّا الصَّائِمُونَ” 9، والمؤمن الصائم المفطر، عندما يرى فضل الله عليه، وهو يعيش فرحة الدنيا، ويترقب فرحة الآخرة، يأبى عليه إيمانه وحياؤه من ربه، أن ينكث غزله، بعدما أحكم رباطه أطراف النهار وزلفا من الليل صبرا واحتسابا، وذكرا وتبتلا، وصدقة وبرا، ألا و“إن أحبّ الأعمال إلى الله تعالى ما داوم عليه صاحبه وإن قل”10، فالوفاء من شيم الرجال، وعهد الله أولى بالوفاء، وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ 11.

هموم أمة لن تغيب

ولئن كان من حقنا المشروع أن نفرح ابتهاجا بالعيد، ونتبادل التهاني والتبريكات بفضل الله علينا في هذه الشعيرة الربانية، فإن هناك حقوقا تنتظرنا لا تنفك عن حقنا هذا، إنها حقوق الأخوة الإسلامية العامة، التي تربط قلوبنا بملايين إخوتنا في العقيدة، الضاربة أطنابها عبر الأرض زمانا ومكانا، فمن واجبنا كأمة واحدة، (أن تظهر أعيادنا بمظهر الأمة الواعية التي تلتزم الاعتدال في سرائها وضرائها فلا يحول احتفاؤها بالعيد دون الشعور بمصائبها التي يرزح تحتها فريق من أبنائها، ويراد من ذلك أيضاً أن نقتصد في مرحنا وإنفاقنا لنوفر من ذلك ما تحتاج إليه أمتنا في صراعها المرير الدامي، ويراد من ذلك أن نشعر بالإخاء قوياً في أيام العيد، فيبدو علينا في أحاديثنا عن نكبات إخواننا وجهادهم ما يقوي العزائم ويشحذ الهمم، ويبسط الأيدي بالبذل ويطلق الألسنة بالدعاء) 12، إن ما تعيشه الأمة اليوم تحت مرزاب القدر الإلهي الحكيم، منذ ردح من الزمن، لم تعشه أمة من الأمم على الأرض، في الحاضر والماضي، جراح مثخنة بالدماء، وآلام تتقطع لها أوصال القلوب، زاد من غورها وسيلانها بل وتدفقها، المواقف المتخاذلة للحكام والحكومات والمسؤولين، وتقصير الشعوب، ببلادنا العربية والإسلامية، ومباركة الدول الغربية المنافقة، التي استمرأت إدام قصعتنا، في غفلة منا، عندما نسينا الله فنسينا، وعندما استحكمت فينا أنانيتنا على حساب أخلاق الإيثار والمودة والتعاون والرحمة، وعندما تعددت فينا الولاءات على حساب ولائنا العقدي والأخوي، وصدق الحبيب الطبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، وهو يشخص لنا الداء وسبب تمزق الأمة مزعا، ويعرض علينا الدواء ضمنا: “يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها فقال قائل: ومن قلة نحن يومئذ؟ قال بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن الله في قلوبكم الوهن، فقال قائل: يا رسول الله وما الوهن؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت” 13، إنه الداء الذي يلزم علينا علاجه، ونحن نمارس شعائرنا وأفراحنا وأتراحنا، بالعودة الميمونة المباركة إلى كتاب ربنا، ومنهاج نبينا صلى الله عليه وسلم، يومها ويومها فقط تعود البهجة لمحيا الأمة جمعاء، من المظلومين والمشردين والمحرومين، من اليتامى والأرامل والثكالى، ويومها فقط نعيش عيدنا العاجل الأكبر وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ، بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ 14.


[1] يونس 58.
[2] البقرة 185.
[3] روح المعاني للألوسي.
[4] أخرجه مسلم والترمذي عن أبو هريرة رضي الله عنه.
[5] البخاري- الفتح 10 (5989). ومسلم (2555) وهذا لفظه عن عائشة رضي الله عنها.
[6] أخرجه الإمام مسلم والإمام أحمد من حديث أبي هريرة رضى الله عنه.
[7] نفسه.
[8] البخاري ومسلم عن أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
[9] أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رضي الله عنه.
[10] رواه البخاري عن عائشة رضي الله عنها.
[11] الأنعام 153 – 152.
[12] خطبة جمعة للدكتور محمد راتب النابلسي.
[13] مسند الإمام أحمد وسنن أبي داود.
[14] الروم 4-5.