ختم فضيلة الأستاذ محمد عبادي، الأمين العام لجماعة العدل والإحسان، اعتكاف رمضان لهذه السنة 1439/2018، بكلمة ربانية نورانية مشرقة، محملة بجملة من المعاني الجليلة الجميلة، التي تنير درب السالك إلى الله سبحانه وتعالى وتعينه على تخطي عقباته، وتساعد المعتكفين في الحفاظ على ما اكتسبوه من خلالٍ أثناء معتكفهم، واستغلالها بعد الخروج من المعتكف فيما يفيد في الدعوة والدلالة على الله سبحانه وتعالى عز وجل. هذه مقتطفات نفيسة منها:

“لست أدري أحبابي هل هذا يوم فرح أم يوم حزن؟ يوم عرس أو يوم عزاء؟ حكى لي أحد الإخوة أن أباه عندما كان يخرج رمضان كان يصعد إلى السطح ويبكي بكاء مرا لانقضاء هذا الشهر.

مشاعر متضاربة تعترينا في هذه اللحظات؛ مشاعر الفرح بما أكرمنا الله سبحانه وتعالى عز وجل من انجماع عليه وتجالس فيه وتحاب فيه وإقبال عليه، نعمة عظمى تستحق منا الشكر الجزيل. وحزن عميق لانقراض هذا الموسم الرباني النوراني الذي أتحفنا الله سبحانه وتعالى عز وجل به، ومعه سينقضي هذا الشهر، شهر رمضان، فيعتري الإنسان من الألم لفقدان خير كان يعيش فيه، ولكن فضل الله سبحانه وتعالى عز وجل واسع ينقلنا من عبادة إلى أخرى ومن موسم إلى آخر ومن خير إلى آخر أفضل منه، حتى نلقاه سبحانه وتعالى عز وجل وهو عنا راض.

أحبتي ها نحن سنفترق، ولو نعطى الخيار ما افترقنا، ولكن لا خيار مع الزمن، فماذا سنصطحب معنا؟ يصعب أن يمارس الإنسان في بيته وفي عمله ما مارسه في هذا المعتكف من ورد متواصل متنوع، ولكن يمكن أن نصطحب معنا روح المعتكف، زبدة المعتكف. كثير من الإخوان وعدونا وتحدثوا عن الأمر الجلل، صفاء القلوب، فإذا استطعنا أن نخرج من هذا المعتكف ونحن لا نشعر بنقطة حقد أو كراهية أو بغض أو عداء أو تنقيص لأي خلق من خلق الله باستثناء أنفسنا والشيطان لأنهم أعداؤنا، ولكن نشرح صدورنا لخلق الله تعالى جميعا لتتسع للكون بما فيه. كان أحد الصالحين يدعو الله سبحانه وتعالى ويقول: يا رب إن وسّعتَ جثتي لتمتلئ بها جهنم حتى لا يدخلها أحد غيري فافعل. إنكم لن تسعوا الناس بأرزاقكم ولكنكم تسعونهم بأخلاقكم. إن استطعنا أن نخرج بالقلب الصافي المحب لله ولخلق الله فهذا كسب عظيم إن شاء الله عز وجل، وزادٌ به نلقى الله سبحانه وتعالى عز وجل.

الأمر الثاني، نظرتنا إلى خلق الله يجب أن تتسم بحسن الظن بعباد الله، فمشروعنا مشروع يهدف إلى جمع مكونات الأمة بمختلف شرائحها وتوجهاتها، ننفتح على الجميع، فليتسع صدرنا لكل خلق الله عز وجل ولتتغير نظرتنا إلى الآخر، نعم ننصح ونوجه ونقول كلمة الحق دون أن نمس كرامة الإنسان، كل إنسان نحتفظ له بكرامته الآدمية”.

“ها نحن سنخرج ومعنا روحانية اكتسبناها من خلال المعتكف، ولكن الدعوة المضادة بالمرصاد، ما سنسمع وما سنرى وما يروج في المجتمع كل ذلك يؤثر في قلوبنا فيسلب منا هذه النورانية، فما السبيل إذن للحفاظ عليها؟

هذه الدعوة المضادة يجب أن نواجهها بالدعوة الصادقة في أي مجلس، في الأسرة وفي العمل ومع الإخوان، خصوصا وأيام العيد تجمع الأسر، خذ المبادرة، لا تبقى ساكتا. يمكن أن نتدرج مع الناس من خلال الموضوع الذي يطرح وغايتك أن توصلهم إلى رب الأمر، الدعوة إلى الله والتذكير بالله وبغاية الإنسان من الخلق؛ لماذا خلقنا؟ وما وظيفتنا؟ وما موقفنا مما يجري في العالم؟ ما يمارس على هذه البشرية من ظلم وقهر واستعباد. أما إذا سكتّ فالسهام ستوجه إلى قلبك مما ترى ومما تسمع، فتشعر بأن هذه الروحانية تتلاشى رويدا رويدا، فكونوا رحمكم الله تعالى أبواق الدعوة إلى الله تعالى في جميع المحافل.

كم المدة التي تلقى فيها الصحابة رضوان الله عليهم العلم على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وجدنا في الحديث أن هناك شباب لم يتجاوز مصاحبتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر من شهر، أما معظم الصحابة، ولا أتحدث هنا عن سكان المدينة، الذين يأتون من القبائل العربية فهناك من حضر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم جلسة واحدة أو يومين أو ثلاثة أيام، ثم يرجعون إلى قبائلهم دعاة من الطراز الكبير الأعلى.

لنستمع إلى قصة أبي ذر الذي أسلمت علي يديه قبيلتان، قبيلة غفار وقبيلة أسلم، ذاك الصحابي الذي جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وسأله عن الفرائض الخمس، الحديث الموجود في الصحيحين “أالله أمرك أن نصلي..”، خرج وهو يقول: “والله لا أزيد على هذا ولا أنقص”، من حيث العبادة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “أفلح إن صدق” أو “دخل الجنة إن صدق”، ولكن من حيث الدعوة رجع إلى قبيلته ولم يدخل داره، جمع أهل القبيلة ودعاهم إلى الله سبحانه وتعالى، فما أمسى في بني سعد رجل على غير الإسلام.

إذن ما كان رضي الله تعالى عنهم يجلسون حتى يتعلموا، البخاري في الحديث والإمام مالك في الفقه والجنيد في التربية.. وإنما كانوا عمليين، “بلغوا عني ولو آية”، ففتح الله سبحانه وتعالى عز وجل على يدهم.

ونحن تسـأل الإخوان كم لك في الجماعة؟ فيقول: 3 سنوات أو 5 سنوات.. فتسأله: ما وظيفتك؟ فيجيب: عضو عادي، ضياع لك وللجماعة. إذن هذا الزاد الذي نحمله كي يبقى محفوظا في صدورنا وفي عقولنا لابد أن ننفق منه.

 كل شيء تنفق منه لله يضاعفه الله سبحانه وتعالى؛ تنفق من المال فيضاعف الله تعالى المال، تنفق من العلم فيضاعف الله علمك، تنفق من الإيمان فيزيد الله سبحانه وتعالى إيمانك”.

“بالنسبة للقرآن، على الأقل، إضافة إلى الورد اليومي، واتباعا لوصية سيدي عبد السلام، ينبغي المحافظة على السور والآيات الفاضلة، إن استطاع كل واحد منا أن يجعل منها وردا يوميا بنيّة التحصين وبنيّة الرقية، وبنيّة المدد؛ أسرار القرآن ونور القرآن، وبنيّة الهدية لمن ندعو لهم في دعاء الرابطة، وبنيّة الورد، نجعل منها وردا دائما حتى نلقى الله سبحانه وتعالى عز وجل”.

أحبتي اجتمعنا على الله سبحانه وتعالى ونفترق عليه، كان الصحابة رضي الله تعالى عنهم يقرؤون في آخر مجالسهم سورة العصر : والعصر إن الإنسان لفي خسر، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ،وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر. ومن معاني الحق أن الله سبحانه وتعالى هو الحق “ذلك هو الحق المبين”، فليوصي بعضنا بعضا بالاعتصام بالله، وباللجوء إلى الله، وبذكر الله، وبالدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، وبالإقبال عليه آناء الليل وأطراف النهار. تقبل الله منا ومنكم، وبارك الله فيكم، وجزاكم أحسن الجزاء، وأحسن الله إليكم، والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته”.