الصّيام بَاب الْعِبَادَة

رُوِيَ عَن كَعْب الْأَحْبَار رَضِي الله عَنهُ أَنه قَالَ: لَيْسَ فِي الْعِبَادَات أفضل من الصّيام لِأَنَّهُ بَاب الْعِبَادَة، وَقد جعل الله تبَارك وَتَعَالَى هَذَا الشَّهْر الْعَظِيم كَفَّارَة للذنب، وَلَيْسَ فِي الذُّنُوب إِلَّا عَظِيم لأننا إِنَّمَا نعصي بهَا الرب الْعَظِيم.

وَقد قَالُوا لَا تنظر إِلَى صَغِير ذَنْبك وَلَكِن انْظُر من عصيت. تَابَ الله علينا حَتَّى لَا نعصيه.

فَالله الله عباد الله غضوا أبصاركم فِي هَذَا الشَّهْر الْعَظِيم، وَفِي غَيره، عَن النّظر إِلَى الْمَحْظُورَات، واحبسوا أَلْسِنَتكُم عَن أَخذ أَعْرَاض الْمُسلمين وَالْمُسلمَات، وَأَكْثرُوا فِيهِ من الصَّدَقَة على أهل المسكنة من ذَوي الْحَاجَات، وَقومُوا فِي لياليكم فِيهِ بِكَثْرَة الصَّلَوَات، واسكبوا من أعينكُم واكف العبرات، وَتَضَرَّعُوا إِلَى الله فِي إِقَالَة العثرات، عساه يُبدل سَيِّئَاتكُمْ بِالْحَسَنَاتِ.

فَإِن قيل مَا الْحِكْمَة فِي فرض شهر رَمَضَان؟ فَفِيهِ أَقْوَال: أَحدهَا أَن الله تَعَالَى أمرنَا أَن نَصُوم فِيهِ ونجوع لِأَن الْجُوع ملاك السَّلامَة فِي بَاب الْأَدْيَان والأبدان، عِنْد الْأَطِبَّاء والحكماء، وَقيل مَا مَلأ ابْن آدم وعَاء شَرّ من بَطْنه، وَالْحكمَة ملك لَا يسكن إِلَّا فِي بَيت خَال.

سَبَب فَرِيضَة الصّيام

فَإِن قيل لم فرض رَمَضَان ثَلَاثِينَ يَوْمًا؟ فَالْجَوَاب أَنه قيل: إِن الْوُقُوف على الصِّرَاط ثَلَاثِينَ سنة فَإِذا صمت ثَلَاثِينَ يَوْمًا أعانك الله فِي الْموقف بالعافية والسلامة والسعادة والكرامة ثَلَاثِينَ سنة.

فَالله الله جدوا واجتهدوا فِي هَذَا الشَّهْر بِلَا إفراط، وخذوا لأنفسكم بِالِاحْتِيَاطِ، واحذروا من الْمكْث الطَّوِيل على الصِّرَاط.

رَمَضَان رَسُول من الله

قيل مثل هَذَا الشَّهْر كَمثل رَسُول أرْسلهُ سُلْطَان إِلَى قوم فَإِن أكْرمُوا شَأْنه وعظموا مَكَانَهُ وشرفوا مَنْزِلَته وَعرفُوا فضيلته رَجَعَ الرَّسُول إِلَى السلطات شاكرا لأفعالهم، مادحا لأحوالهم، رَاضِيا لأعمالهم، فيحبهم السُّلْطَان على ذَلِك فَيحسن إِلَيْهِم كل الْإِحْسَان. وَإِن استخفوا برعايته، وهونوا لعنايته، وَلم ينزلوه مَنْزِلَته من الْإِكْرَام، وفعلوا بِهِ فعل اللئام، فَيرجع الرَّسُول إِلَى السُّلْطَان وَقد غضب عَلَيْهِم من قَبِيح أفعالهم، وسيء أَعْمَالهم، فيغضب السُّلْطَان لغضبه. كَذَلِك يغْضب الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى على من استخف بِحرْمَة شهر رَمَضَان.

فيا أَيهَا الْإِنْسَان، هَذَا شهر رَمَضَان، شهر التَّوْبَة والغفران، وَهُوَ رَسُول من عِنْد الْملك الديَّان، فَمن أكْرمه مِنْكُم حَقِيقَة الْإِكْرَام، وَحفظ فِيهِ لِسَانه من قَبِيح الْكَلَام، وبطنه من أكل الرِّبَا وَالْحرَام، وأموال الأرامل والأيتام، غفر لَهُ الْملك العلام، وَأدْخلهُ الْجنَّة مَعَ مُحَمَّد عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام.

أَحَادِيث فِي فضل الصّيام

رُوِيَ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ: “مَا من مُؤمن يصبح صَائِما إِلَّا فتحت لَهُ الْجنَّة، واستغفر لَهُ أهل السَّمَاء الدُّنْيَا حَتَّى يتَوَارَى بالحجاب، فَإِن صلى رَكْعَتَيْنِ تَطَوّعا أَضَاءَت لَهُ السَّمَوَات نورا، وَإِن سبح وَهَلل تَلقاهُ سَبْعُونَ ألف ملك يَكْتُبُونَ تسبيحه إِلَى أَن يتَوَارَى بالحجاب”.

فَالله الله عباد الله يَا أهل الذُّنُوب، يَا أهل الْمعاصِي والعيوب، يَا من عصى مَوْلَاهُ علام الغيوب، اعْمَلُوا فِي بَقِيَّة شهركم ليَوْم وفاتكم وفقركم، إِذا وقفتم بَين يَدي ربكُم.

روي أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ يَقُول إِذا دخل شهر رَمَضَان: “إِن الله فرض عَلَيْكُم شهر رَمَضَان وسننت لكم قِيَامه فَمن صَامَهُ وأقامه إِيمَانًا واحتسابا خرج من الذُّنُوب كَيَوْم وَلدته أمه”، وَقَالَ فِي حَدِيث آخر: “وَمن صَامَهُ وأقامه إِيمَانًا واحتسابا وَجَبت لَهُ الْجنَّة”.

فَالله الله ارغبوا فِيمَا رغبكم فِيهِ نَبِيكُم، وَمَا عرفكم بِهِ من ثَوَاب ربكُم وَرَحمته، عَسى أَن يغْفر لكم ربكُم، ويتقبل مِنْكُم سعيكم.

وَرُوِيَ أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ يَقُول إِذا دخل رَمَضَان: “مرْحَبًا بالمطهر، قَالُوا: يَا رَسُول الله وَمَا المطهر؟ قَالَ: مطهر من الذُّنُوب والخطايا”. اللَّهُمَّ اكْتُبْ لنا فِيهِ برَاء من النَّار وَشَرِيعَة من الْإِيمَان.

فَالله الله تطهروا من ذنوبكم، للحلول فِي جوَار ربكُم، واحفظوا العهود فِي صِيَام شهركم، فأدوا زَكَاة فطركم.

رُوِيَ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ: “من صَامَ رَمَضَان وَلم يؤد زَكَاة الْفطر كَانَ صِيَامه مُعَلّقا بَين السَّمَاء وَالْأَرْض حَتَّى يُؤَدِّيهَا”. فَالله الله عباد الله، اتبعُوا مَا أَمركُم بِهِ النَّبِي الرَّسُول، وَأَطيعُوا رَبًّا لَا يحول وَلَا يَزُول، وَلَا تغيره الْأَيَّام وَلَا الدهور، لَا إِلَه إِلَّا الله هُوَ الْعَزِيز الغفور.

من بستان الواعظين ورياض السامعين لابن الجوزي.