توطئة:

إذا هل هلاله فنشيدك: أهلا، وإذا أزف الرحيل فقصيدي: مهلا، سيما إذا توج الرحمان ثلثي الرحمة والمغفرة بثلث طلب العتق معَطرا بأنفاس الشوق إلى تلك التي هي خير من ألف شهر، حلا لي صبر النفس في طلب يدها من باريها في عشر ما قبل الفطر معتكفا مرابطا ألتمس ودَّها بإنهاض الأهل وشد المئزر، وإحياء الليل ودمع السحر، وعين السهر مع إخوة لي من أب لم أولد من صلبه وأرجو أن أنجب من قلبه وأحظى بقربه وحبه، آمنا في سربه أردد ما قاله لنا من طيب كلامه وجميل خطبه لا نملك ورمضان أبونا يوشك أن يتركنا كالأيتام، إلا أن نقول في الختم مهلا، كما قلنا له في البدء أهلا.

مهلا بشير الطهر أَجّل سفرتك ** آنستنا هيهات ننسى طلعتك

آويتنا عشرا ضيافة راحم ** وجعلت مغفرة المهيمن غرّتك

وندبتنا ليكون مِسك ختامنا ** عتق من النيران أنجزْ عزمتك

مهلا بساط الخير لا تشمت بنا ** من صُّفِّدوا حتى نحقق رغبتك

تقوى، وأبواب الجنان متاحة ** لدخولنا من ذا يكافئ نعمتك

سلوى وأبواب التي فيها الضنى ** قد غلِّقت، رمضان أجِّل رحلتك

ناديتنا يا باغي الخير اغتنم ** فلم الرحيل وقد ألِفنا خلَّتك

صمنا وقمنا واعتكفنا عشرة ** في خير دار والتمسنا ليلتك

والأهل أيقظنا شددنا مئزرا ** والليلَ أحيينا نحاكي صفوتك

لم ندَّخر وُسعاً ألا رفقا بنا ** يا منة الوهاب أَجِّل هجرتك

قرآن ربي كان يشكو هجرنا ** لما أتيت غَدَا ينافس صُفرتك

حفظاً وإسماعا وأنس تلاوة ** ذكرى وموعظة تجلِّي حضرتك

كانت مساجدنا خرابا كلها ** هي ذي وقد ملئت تُبارك عودتك

رمضان دمت لشِيبنا وشبابنا ** ونسائنا حصنا فأتمم هَبَّتك

أطفالنا كانوا غثاء رابيا ** أمسوا جواهر من يضاهي صنعتك

سوق من الأخرى تَأَتَّى في الدنى ** من ذا ينافس يا مطهر سِلعتك

من ذا يقينا اليتم إن فارقتنا ** رفقا أبا الإحسان أجِّل غيبتك

والصوم لي وأنا به أجزي كفت ** من كان ذا فهم يعظِّم شرعتك

قد أكمل المولى بفضلك أجرنا ** كرما فأَبْدلَنا بحج عُمرتك

وخلوفنا عطراً غدا وطعامنا ** فرحا على فرح فواصل فرحتك

ودعاؤنا يا حبُّ معراج إلى ** رب السماء فمن يطاول دعوتك

البدر بعد الفتح فيك تيسَّرا ** والفطر بعد القدر زكى غَلَّتَك

يا شهر أمة أحمدٍ لطفا بنا ** ذقنا لذيذك أبق فينا قوتك

وأدم علينا ما بدأنا فعله ** إلا الفتور لقد ألفنا يقظتك

الصوم من وَحر الصدور أجارنا ** والذكر كان ولا يزال محجَّتك

وقلوبنا فُتحت بجوعك والظما ** أقفالُها حزنا تكفَّفُ رأفتك

يا جُنَّةً أنت الوجاء فنجِّنا ** من كل سقم لا يُغالب حِمْيَتَك

ولحكمة كان البناء مباركا ** في شهر شوالٍ فأتمم بِنْيَتَك

بك حسَّن الباري قبيح خلالنا ** لا تجعل الإحسانَ يفعل فعلتك

وُصلت بك الأرحام بعد قطيعة ** والجود فيك بدا فأظْهِر حكمتك

والعيد فرحتنا بما أعطيتنا ** هل بعد فقدك نستلذ عطيَّتك

الدار عامرة بصفوة جندنا ** والعين ساهرة تؤانس وحشتك

بركات عشرك والمكان ومن أتوا ** من كل حدب كي يذوقوا سلوتك

والمرشد المحبوب صانع مجدنا ** أوصى بصبر النفس حبسا ذروتك

كيما نعنفَ أنفسا أمارة ** ونطيح دولتها لتبسط إمرتك

والصيف إن وافيتنا فيه ارتقى ** أمسى ربيعا ما تعهَّد بذرتك

مهلا، هب منا المسيء لمحسن ** أولاك ما تبغي وأحسن عِشرتك

علمتنا قول الحليم لسائم ** عفوا فإني صائم يا من فتَك

فهَّمتنا أنْ لا صيام لجائع ** سِتْرَ الحياء بكِذبه زوراً هتَك

أعلمتنا أن الذي أُبْلِغْتَهُ ** لم يغفر المولى له إن عنَّتَك

ذا قول من بالوحي ينطق لا هوى ** من مصطفى فانشر علينا رحمتك

شفِّعه فينا يا مشفَّع في الورى ** فرضاً ونافلةً وأظهر حظوتك

صلوا على خير الأنام حبيبنا ** ما صام عبد بعد فرض سنتك

ستا من الشهر الموالي فضلها ** فضل الذي جازيت دهراً مِنحتك

صلوا على من كنت حب قلوبهم ** كان اشتياقهم يراقِبُ رَجعتك

ستا بُعيدك لا نفاذ لصبرهم ** حتى يزفَّ عُبَيْدُ عَبْسٍ عبلتك

وجميلنا يحظى بقلب بثينه ** وابن المُلَّوح جنَّ يطلب ليلتك

صلوا وصلوا أكثروا لا تبخلوا ** فهي العزاء إذا افتقدنا جنَّتك

تستطيع الاستماع للقصيدة بصوت الأستاذ منير ركراكي على موقع الشاهد.