ذكرى يوم أرض غير عادية..

دأب الفلسطينيون على تخليد يوم الأرض يوم ثلاثين مارس من كل سنة؛ يوم يرمز لأول انتفاضة لفلسطينيي الداخل المحتل منذ نكبة 1948، بعد أن قامت السلطات الصهيونية بمصادرة حوالي 21 ألف دونم (21 كيلومتر مربع) من أراضي قريتي سخين وعرابة الفلسطينيتين يوم 30 مارس 1976. هذه الانتفاضة التي لاقت دعما وتأييدا من فلسطينيي الشتات والعرب عموما، وأدت إلى استشهاد ستة فلسطينيين وجرح واعتقال المئات، كما فرضت على الكيان المحتل التراجع عن قرار المصادرة، وظل يوم 30 مارس منذ ذلك التاريخ رمزا لمبدإ التشبث بالأرض بالنسبة للفلسطينيين الخاضعين للاحتلال، وفي ما بعد رمزا للعودة للفلسطينيين المهجرين قسرا خارج فلسطين.

وقد خلد الفلسطينيون هذه السنة (2018) الذكرى الثانية والأربعين ليوم الأرض في سياق دولي وإقليمي وداخلي بالغ الصعوبة والدقة؛ ففي السياق الدولي، تواجه القضية الفلسطينية مخططا دوليا تقوده الولايات المتحدة الأمريكية بهدف تصفية القضية تحت مسمى “صفقة القرن” التي حشدت لها دعما دوليا وإقليميا غير مسبوق. في حين كان تسارع الأنظمة العربية نحو مزيد من التطبيع وإخراجه من طابعه السري إلى المستوى العلني، وانضمام أنظمة جديدة إلى صف المطبعين وبجرعات زائدة على رأسها بعض أنظمة الخليج، مقابل تضييق الخناق على الشعب الفلسطيني، ووسم قواه الحية ومقاومته بالإرهاب!! كان ذلك السمة البارزة للسياق الإقليمي للذكرى الثانية والأربعين ليوم الأرض الفلسطيني. ينضاف إليهما سياق داخلي صعب بعد فشل مساعي المصالحة الداخلية بين الفصائل الفلسطينية، واشتداد حصار غزة المتعدد الأطراف: الصهيوني من جهة والمصري من جهة ثانية، وحصار ثالث من طرف السلطة الفلسطينية، التي فرضت سلسلة من الإجراءات العقابية ضد سكان القطاع، المقصود منها ضرب الحاضنة الشعبية للمقاومة الفلسطينية المرابطة في غزة.

تخليد غير عادي..

هذه التحديات غير المسبوقة قابلها “شعب الجبارين” بوعي كبير وإرادة محترفة للصراع، رغم اختلال موازين القوى بين شعب أعزل من كل مصادر القوى إلا قوة القوي الجبار، والدعم الشعبي المعنوي الإسلامي والعالمي، وبين كيان مغتصب مسنود دوليا وإقليميا، في ظل فشل الأمم المتحدة والمجتمع الدولي في إنصاف الشعب الفلسطيني ورد حقوقه المغتصبة.

فقد أطلق الفلسطينيون هذه السنة مسيرات العودة الكبرى بمبادرة من لجنة وطنية عليا تضم قوى مدنية فلسطينية ومنظمات فلسطينية ومنظمات حقوقية وفصائل، تخللتها عدة محطات بارزة من ضمنها يوم النكبة الذي يصادف 15 ماي والذي تم اختياره من طرف الولايات المتحدة الأمريكية كيوم لنقل مقر سفارتها لدى الكيان الصهيوني إلى مدينة القدس، كجزء من مخطط صفقة القرن.

ملحمة بطولية سطرها شعب فلسطين بدماء رجاله ونسائه وأطفاله وشبابه وشيوخه، خاصة في قطاع غزة المحاصر منذ 12 سنة، عبر مسيرات مليونية تجاه نقاط التماس مع العدو الصهيوني قرب السياج الفاصل على الحدود الشرقية لقطاع غزة، وقد كانت الحصيلة إلى حدود الفعالية الحادية عشرة، فعالية “مليونية القدس” (الجمعة 08 يونيو 2018) 127 شهيدا و14 700  مصابا.

صفعة القرن لصفقة القرن..

كان رهان الكيان الصهيوني كبيرا على التغيرات الدولية، خاصة تصاعد شعبية اليمين المتطرف المعادي للمسلمين في أوروبا وأمريكا، الذي توج بوصول المرشح الجمهوري المتطرف دونالد ترامب إلى سدة الحكم في الولايات المتحدة الأمريكية، وأيضا سارع الصهاينة إلى استثمار الوضع الإقليمي المنشغل بمشاكله الداخلية، حيث ردة استبدادية متسلطة في دول الربيع العربي، واستمرار النزاعات المسلحة في سوريا واليمن وليبيا، إضافة إلى الأزمة الخليجية، والعلاقات الإيرانية العربية المتوترة، زيادة على استمرار انشقاق الصف الفلسطيني الداخلي، كلها محفزات استغلتها “إسرائيل” لتمرير ما بات يعرف إعلاميا بـ”صفقة القرن” أو حل الاتفاق النهائي للقضية الفلسطينية على حد مزاعم إدارة ترامب، والتي تهدف بشكل واضح إلى تصفية القضية الفلسطينية، وذلك بتوطين الفلسطينيين في وطن بديل، خارج الأراضي الفلسطينية المحتلة، وإنهاء حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى ديارهم، مع جعل القدس عاصمة خالصة للكيان الصهيوني، وغيرها مما بات يتسرب تدريجيا عن دهاليز المؤامرة.

وقد نجحت “إسرائيل” في حشد الدعم الأمريكي للصفقة، بل استمالة المربع العربي الرسمي المحيط بفلسطين، وإعطائهم أدوار حساسة في الملف منها تنازل النظام المصري عن أراضي في صحراء سيناء لصالح الفلسطينيين، وتخلي النظام الأردني عن السيادة على المجسد الأقصى، وتولى بعض أنظمة الخليج دعم الصفقة ماديا، وبالمقابل سيحاول الجميع الضغط على الفلسطينيين، أو على الأقل على السلطة الفلسطينية في رام الله لقبول الصفقة، في انتظار توجيه ضربات موجعة للمقاومة الفلسطينية في غزة واستئصالها بعد مقدمات تشديد الحصار واستهداف الحاضنة الشعبية للمقاومة.

مخطط تصفوي أدرك الفلسطينيون مبكرا أبعاده الخطيرة، فقرروا إسقاطه بدماء شهدائهم فكانت مسيرات العودة الكبرى لهذه السنة لحظة فارقة في الصراع، بل صفعة كبرى لصفقة القرن، خاصة في ظل التعاطف والتأييد الشعبي الكبير الذي حظيت به مسيرات العودة إسلاميا وعالميا.

وبذلك أبرزت فعاليات ذكرى العودة وحشية الكيان الصهيوني الغاصب ودمويته أمام العالم تجاه مسيرات سلمية لشعب أعزل، وفجرت التناقضات الداخلية في الكيان المحتل تجاه القضية عموما، وحصار قطاع غزة خصوصا، بل مارست كيا لوعي الصهاينة، بتذكيرهم بالحقيقة الأزلية، وهي أنهم طارئون فوق أرض فلسطين التي لها سكانها الأصليون والشرعيون.

زيادة على ذلك، خلخلت ملحمة مسيرات العودة التحالف الصهيوني العربي، وأظهرته إلى العلن، مما زاد من حنق الشعوب العربية على أنظمتها التي تآكل “رصيدها” في دعم القضية الفلسطينية، وفرضت عليها وحشية الاحتلال إصدار بيانات محتشمة ضد “الاستعمال المفرط” للقوة تجاه الفلسطينيين.

كما قضت مسيرات العودة على أي دور أمريكي محايد محتمل في المستقبل في حل القضية، ووضعت الدولة العظمى في موقف معزول أمام المجتمع الدولي، الذي لا طالما استنكر همجية “إسرائيل” تجاه المتظاهرين السلميين العزل، خاصة بعد وقوف أمريكا المتكرر في وجه أبسط إجراء أممي تجاه هذا الإرهاب الصهيوني ولو من باب الإدانة، مما يعني أن الفلسطينيين نجحوا إلى حد ما في وأد صفقة القرن الأمريكية.

بالمقابل، أعادت مسيرات العودة الكبرى القضية الفلسطينية إلى صدارة الاهتمامات العالمية، وسلطت الضوء على جرائم الاحتلال في حق الفلسطينيين مثل الحصار الظالم على قطاع غزة، وسياسة الاستيطان، ومصادرة الأراضي وهدم البيوت وتهويد الأقصى وغيرها من الجرائم. كما نجحت مسيرات العودة في توجيه بوصلة الشارع الفلسطيني تجاه عدوه الأصلي، وتخفيف الاحتقان الداخلي والتنابز الإعلامي بين الأطراف الفلسطينية، وجسدت الوحدة الوطنية على قاعدة تحرير الأرض والعودة إلى الديار.

من جانب آخر، أبدعت مسيرات العودة الكبرى أشكالا أخرى من المقاومة إلى جانب المقاومة المسلحة، ورسخت المقاومة الشعبية السلمية، التي تعزل الكيان الصهيوني دوليا وتبرز وجهه الحقيقي الهمجي، عكس ما تريد الدعاية الصهيونية تصويره للعالم عن الفلسطينيين.

إن مسيرات العودة بدلالاتها الكبرى والمتعددة تشكل محطة مهمة في عمق القضية الفلسطينية، كما أنها فتحت آفاقا مهمة أمام تمكين خيارات الشعب الفلسطيني المقاوم، وكسرت معادلات الاحتلال، وكشفت حجم المؤامرة الدولية لتصفية القضية الفلسطينية، وفضحت الانبطاح العربي الرسمي، وأكدت أن تحرير فلسطين هي مهمة الشعوب وليس الأنظمة، ولكن بعد تحرير أوطانها من عملاء الاحتلال.