تَقْسِيم الصَّوْم والصائمين

وَالصَّوْم ثَلَاثَة: صَوْم الرّوح وَهُوَ قصر الأمل، وَصَوْم الْعقل وَهُوَ مُخَالفَة الْهوى، وَصَوْم الْجَوَارِح وَهُوَ الْإِمْسَاك عَن الطَّعَام وَالشرَاب وَالْجِمَاع.

يَا أخي من صَامَ عَن الطَّعَام وَالشرَاب فصومه عَادَة، وَمن صَامَ عَن الرِّبَا وَالْحرَام وَأفْطر على الْحَلَال من الطَّعَام فصومه عدَّة وَعبادَة، وَمن صَامَ عَن الذُّنُوب والعصيان وَأفْطر على طَاعَة الرَّحْمَن فَهُوَ صَائِم رَضِي، وَمن صَامَ عَن القبائح وَأفْطر على التَّوْبَة لعلام الغيوب فَهُوَ صَائِم تَقِيّ، وَمن صَامَ عَن الْغَيْبَة والبهتان وَأفْطر على تِلَاوَة الْقُرْآن فَهُوَ صَائِم رشيد، وَمن صَامَ عَن الْمُنكر والإغيار وَأفْطر على الفكرة وَالِاعْتِبَار فَهُوَ صَائِم سعيد، وَمن صَامَ عَن الرِّيَاء والانتقاص وَأفْطر على التَّوَاضُع وَالْإِخْلَاص فَهُوَ صَائِم سَالم، وَمن صَامَ على خلاف النَّفس والهوى وَأفْطر على الشُّكْر وَالرِّضَا فَهُوَ صَائِم غَانِم، وَمن صَامَ عَن قَبِيح أَفعاله وَأفْطر على تَقْصِير آماله فَهُوَ صَائِم مشَاهد، وَمن صَامَ عَن طول أمله وَأفْطر على تقريب أَجله فَهُوَ صَائِم زاهد.

قَالَ الله تَعَالَى {فَمن كَانَ مِنْكُم مَرِيضا أَو على سفر فَعدَّة من أَيَّام أخر} الْبَقَرَة 184، يَا أخي هَذِه رَحْمَة مَوْلَاك، رَضِي أَن ينقص من حَقه لِئَلَّا ينقص من نَفسك، وَهَذِه غَايَة اللطف من مَوْلَاك،
رخص لَك أَن تفطر الْأَيَّام الطوَال بالعذر وَرخّص لَك أَن تفطر مُتَتَابِعًا وتقضي إِن شِئْت مُتَفَرقًا ليسهل عَلَيْك وتصوم الْأَيَّام الْقصار عوضا عَن الْأَيَّام الطوَال، وَهَذَا الرِّفْق.

(..)

رَمَضَان فِي الْقِيَامَة

رُوِيَ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ بمنى: “إِذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة بَيْنَمَا أَنا وَاقِف عِنْد الْمِيزَان، فَيُؤتى بشاب من أمتِي وَالْمَلَائِكَة يضربونه وَجها ودبرا، فَيتَعَلَّق بِي وَيَقُول: يَا مُحَمَّد المستغاث المستغاث بك، فَأَقُول: يَا مَلَائِكَة رَبِّي مَا ذَنبه؟ فَيَقُولُونَ: أدْرك شهر رَمَضَان فعصى الله فِيهِ وَلم يتب فَأَخذه الله فَجْأَة، فَأَقُول: هَل قَرَأت الْقُرْآن؟ فَيَقُول: تعلمته ونسيته، فَأَقُول: بئس الشَّاب أَنْت، فَلَا هُوَ يتركني وَلَا الْمَلَائِكَة يتركونه، ثمَّ أشفع لَهُ من الله تَعَالَى فَأَقُول: إلهي شَاب من أمتِي، فَيَقُول الله تَعَالَى: إِن لَهُ خصما قَوِيا يَا أَحْمد، فَأَقُول: وَمن خَصمه يَا رب حَتَّى أرضيه؟ فَيَقُول الله تَعَالَى: خَصمه شهر رَمَضَان، فَأَقُول: أَنا بَرِيء مِمَّن خَصمه شهر رَمَضَان، وَمن يشفع لمن لم يعرف حُرْمَة رَمَضَان؟ فَيَقُول الله تَعَالَى: وَأَنا بَرِيء مِمَّن أَنْت بَرِيء مِنْهُ، فَينْطَلق بِهِ إِلَى النَّار”.

فَالله الله عباد الله، لَا تهونوا شهرا أعظم الله حرمته، وَأوجب حَقه، وَقد فَضلكُمْ بِهِ عَن سَائِر الْأُمَم، وَهُوَ هَدِيَّة من الله تَعَالَى إِلَيْكُم، وكرامة تفضل بهَا عَلَيْكُم، ليغفر لكم ذنوبكم، وَيسْتر عَن النَّار عيوبكم، ويغشيكم مِنْهُ الرَّحْمَة، وَيرْفَع عَنْكُم فِيهِ النقمَة، ويفضلكم بجزيل النِّعْمَة، ويشرح صدوركم بِنور الْحِكْمَة.

خسران العَاصِي فِي رَمَضَان

رُوِيَ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ: “سَمِعت جِبْرِيل يَقُول سَمِعت الله عز وَجل يَقُول: يُؤْتى بشاب يَوْم الْقِيَامَة باكيا حَزينًا وَالْمَلَائِكَة تسوقه بمقامع من حَدِيد وَمن نَار وَهُوَ يَقُول الْأمان الْأمان ألف سنة وَلَا أَمَان لَهُ، ثمَّ يساق فَيُوقف بَين يَدي الله تَعَالَى، فيأمر الله مَلَائِكَة الْعَذَاب أَن تسحبه على وَجهه إِلَى النَّار، قلت: يَا جِبْرِيل من هُوَ؟ قَالَ: شَاب من أمتك، قلت: وَمَا ذَنبه؟ قَالَ: أدْرك شهر رَمَضَان فعصى الله فِيهِ وَلم يسْتَغْفر الله وَلم يتب إِلَيْهِ كي يغْفر الله له فَأَخذه الله بَغْتَة”.

فَالله الله عباد الله، اسمعوا بآذانكم، وتدبروا بقلوبكم، فَلَعَلَّ الله يبلغكم مرغوبكم، وَيغْفر الْعَظِيم من ذنوبكم.

من بستان الواعظين ورياض السامعين لابن الجوزي.