بعد نحو ثلاثة أعوام من عمله أستاذا للغة العربية والترجمة، تقدم الأستاذ ياسين إلى مباراة توظيف المفتشين في الابتدائي.

كان أستاذنا في هذه المرحلة عاكفا على بناء شخصيته النفسية والفكرية، مجتهدا في اقتطاف ثمرات الحضارة الغربية المهيمنة على العالم، وفي تعلم اللغة الإنجليزية بعد أن أتقن الفرنسية إتقانا جيدا، ومنخرطا فيما كانت تطلبه إليه وظيفته التـي كانت مصدرا آخر من مصادر بناء تلك الشخصية.

وجاء تعيينه في أكتوبر من عام 1955م مفتشا مسؤولا عن التعليم الابتدائي بمدينة الدار البيضاء ليفتتح مرحلة جديدة في مراحل مساره الوظيفي الحافل، وليتعرف رجال التعليم في هذه المدينة على بعض مظاهر الصرامة في شخصيته.

كان هو الخليفة الأول للمفتش الإقليمي، يقوم بتفتـيش المعلمين الرسميين، ويحرر إثر التفتـيش تقارير يبعثها إلى الوزارة ويشرف على أعمال المفتشين المساعدين ويوقع على تقارير التفتـيش التـي يجرونها، ويقوم بتنظيم امتحانات المعلمين الجدد، وامتحانات الداخلين إلى مدارس المعلمين، وامتحانات شهادة الكفاءة الكتابية والشفوية، مع اختيار اللجان المختلفة.

ويصف حال الإدارة المغربية إذ ذاك فيقول:              

«جاء الاستقلال وأنا مفتش للغة العربية في المدارس الابتدائية بالدار البيضاء، كانت تجربتي مع المعلمين، تجربتي مع الوظيف، اطلاعي على أسرار الإدارة، وكانت يومئذ في يد الفرنسيين، كان كل هذا دروسا في تكويني. جاء الاستقلال فكنت من الرعيل الأول من الموظفين المغاربة الذين تسلموا مقاليد الأمور من الإدارة الفرنسية. وعندئذ تعلمت أيضا من الواقع كيف كانت الحزبية والوصولية والمحسوبية والرشوة وكل هذه الأمراض التـي استفحلت بعد الاستقلال إلى الآن استفحالا عظيما، كيف كانت بذور كل هذه الأمراض تكون استعدادا لما نحن فيه الآن من الويلات».

حل المفتش الجديد بالدار البيضاء إبان الاستقلال في مرحلة بدأت تتغلغل فيها في مختلف مؤسسات وإدارات الدولة الرشوة والمحسوبية والبيروقراطية، وكان هو مستقيم السلوك محمود السيرة قوي الشخصية صلبا في التمسك بما يراه حقا. فكان الاستسلام لعدوى أمراض الإدارة أمرا مستحيلا، وكانت مواجهتها المحتومة إيذانا بحرب تشن عليه لا هوادة فيها:

”عمر بن الخطاب”؛ هذا أحد الألقاب التـي لقب بها على مدى مسيرته الطويلة، وجاء في سياق مواجهته للفساد الإداري في البيضاء. مواجهة بلغت درجة التهديد بالقتل!

ويحكي رفيقه علي سقراط أن موظفة كانت مع السيد ياسين تثني عليه خيرا وتتمنى لو استقام رؤساء المصالح مثله، قالت:

“من كان يعمل مع السيد ياسين يعترف بأن الإسلام حي يمشي على رجليه، وأن العدل ناصع ليس عليه غبار”.