اكتسبت أشهر السنة الهجرية أسماءها من عادات ويوميات حياة العرب في الجاهلية، ولذلك جاءت تسمياتها لما وافق ما كانت تعيشه قبائل الجزيرة العربية في ظواعنها وإقامتها، وأيامها ولياليها، من أحداث وتقلبات الأزمان.

شهر القرآن رمضان اشتق اسمه من الرمضاء وهي شدة الحر، قال صاحب كتاب مختار الصحاح: “الرمض بفتحتين شدة وقع الشمس على الرمل وغيره والأرض (رمضاء) بوزن حمراء وقد رمض يومنا اشتد حره… ورمضت قدمه أيضا من الرمضاء أي احترقت… وشهر رمضان جمعه رمضانات وأرمضاء بوزن أصفياء. قيل إنهم لما نقلوا أسماء الشهور عن اللغة القديمة سموها بالأزمنة التي وقعت فيها فوافق هذا الشهر أيام رمض الحر فسمي بذلك”. 1

صيام الرمضاء شعار المحسنين

شرع الله صيام شهر رمضان في السنة الثانية للهجرة، وسن رسوله صلى الله عليه وسلم صيام التطوع في غيره من الأيام والشهور، التي كان الصحابة والتابعين يحافظون على صيامها خاصة في فصل الصيف حيث شدة الحر، عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: “خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره في يوم حار حيث يضع الرجل يده على رأسه من شدة الحر، وما فينا صائم إلا ما كان من النبي صلى الله عليه وسلم وابن رواحه”. 2

قال الحافظ ابن رجب في لطائف المعارف: “ومما يضاعف ثوابه في شدة الحر من الطاعات: الصيام لما فيه من ظمإ الهواجر ولهذا كان معاذ بن جبل رضي الله عنه يتأسف عند موته على ما يفوته من ظمإ الهواجر، وكذلك غيره من السلف، وروي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه كان يصوم في الصيف ويفطر في الشتاء، ووصى عمر رضي الله عنه عند موته ابنه عبد الله رضي الله عنه فقال له: “عليك بخصال الإيمان ــ وسمى أولها ــ الصوم في شدة الحر في الصيف”.

إن الصوم الذي خص الله تعالى نفسه به، وجعل أجره عظيما لا يعلم مقداره إلا الحق سبحانه “كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فهو لي وأنا أجزي به”، يعد من أعظم العبادات المكلف بإتيانها كل مسلم ومسلمة، وذلك لما يحقق من تربية للنفس على شعب الصبر والتؤدة والتحمل وطول النفس.

صلاة الرمضاء عنوان الأوابين

شدة الحر كذلك علامة على دخول وقت صلاة الضحى التي نسبها المصطفى للأوابين. روى الإمام مسلم عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَهْلِ قُبَاءَ وَهُمْ يُصَلُّونَ فَقَالَ: صَلاةُ الأَوَّابِينَ إِذَا رَمِضَتْ الْفِصَالُ”.

 وفي رواية أخرى لمسلم عَنْ الْقَاسِمِ الشَّيْبَانِيِّ أَنَّ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ رَأَى قَوْمًا يُصَلُّونَ مِنْ الضُّحَى فَقَالَ أَمَا لَقَدْ عَلِمُوا أَنَّ الصَّلاةَ فِي غَيْرِ هَذِهِ السَّاعَةِ أَفْضَلُ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ صَلاةُ الأَوَّابِينَ حِينَ تَرْمَضُ الْفِصَالُ”. صحيح مسلم.

قال النووي رحمه الله: “قوله صلى الله عليه وسلم: “صلاة الأوابين حين ترمض الفصال” هو بفتح التاء والميم، والرمضاء: الرمل الذي اشتدت حرارته بالشمس، أي حين تحترق أخفاف الفصال وهي الصغار من أولاد الإبل – جمع فصيل – من شدة حر الرمل (فترفع أخفافها وتضعها من حرارة الأرض). والأواب: المطيع، وقيل: الراجع إلى الطاعة. وفي (الحديث): فضيلة الصلاة هذا الوقت.. (و) هو أفضل وقت صلاة الضحى، وإن كانت تجوز من طلوع الشمس إلى الزوال”. 3

إنه من أعظم العبادات التي يحب الله تعالى أن يتقرب بها عباده إليه هي الفرائض، ومن أكبر وأجل هذه الفرائض الصلاة المكتوبة والمسنونة، وصيام رمضان، وصيام التطوع خاصة في الصيف. ومن المشهور عند الفقهاء أن ثواب الأعمال يتضاعف عند أدائها مع حصول الكلفة والمشقة

رمضان شهر الجهاد والانتصارات

من جميل صنع الله في كونه أن جعل في رمضان أياما وملاحم للمسلمين، أعز الله بها دينه ونصر عباده وهزم الأحزاب، كان من أعظمها في تاريخ الإسلام غزوة بدر الكبرى وفتح مكة ومعركة حطين التي انتصر فيها الناصر صلاح الدين الأيوبي على الصليبين في 26 من رمضان سنة 583 هجرية الموافق لسنة 1187 ميلادي. ثم معركة عين جالوت في 25 رمضان لسنة 658 هجرية الموافق ل1260 ميلادي.

وفي الأعوام العشر الماضية، التي تزامن فيها رمضان مع فصل الصيف، من الله تعالى على الأمة الإسلامية بهبة جهادية مباركة، ارتعدت لها فرائس قوى الاستكبار العالمي والمحلي، كان من أبرز جولاتها:

ــ انتفاضة شعوب البلاد العربية بعد سبات طويل، أدت إلى خلخلة واقع الاستبداد والتبعية و الفساد، بالكثير من الأقطار. وإن كانت المنطقة قد دخلت مرحلة مخاض عسير، إلا أنها أكدت أن ضمير الأمة الإسلامية ما زال يقظا وإحساسها متوترا وشبابها متحفزا .

ــ صمود وانتصار المقاومة في فلسطين خاصة بقطاع غزة في وجه أعتى القوى والجيوش بالعالم وأشدها همجية ووحشية، حيث أكد انتصار 2014، الذي أنجزه الله القوي العزيز للمقاومة الفلسطينية في أيام ونسمات رمضان لعام 1435هجرية، أن العامل الذاتي حاسم في جهاد المسلمين شريطة التسلح بالإيمان والأخذ بالأسباب.

ــ يقظة الشعب التركي وقيامه في يوليوز 2016م للمحافظة على مؤسساته الديمقراطية المدنية وحمايتها من العقلية والتسلط الانقلابي لطغمة من القيادة العسكرية العميلة للغرب. وقد أعطى الأتراك أمثلة شجاعة وواضحة لاستماتة شعب مسلم ومسالم في الدفاع عن خياراته وقيادته السياسية المدنية، وشاء الله تعالى أن يحدث ذلك بعد أيام قليلة من شهر رمضان لسنة 1437 هجرية.

رمضان موسم الطاعات والعبادات التي يحيي الله عز وجل بها الأمة المسلمة ويجدد به إيمانها، ويبعث في وجدانها الأمل في بشائر النصر القادم، كما يعقد عزائم شبابها على الجهاد والبذل في سبيل إعزاز الدين ونصرة المستضعفين.

فاللهم بارك لنا في رمضان، وجدد به إيماننا وقوِّ عزائمنا حتى ننهض إليك ونكون أهلا لتلقي وعدك الصادق غير المكذوب بالنصر والتمكين في الدنيا، والفلاح والفوز في الآخرة.

 


[1] محمد بن أبي بكر بن عبد القادر الرازي، مختار الصحاح صفحة 256.
[2] صحيح البخاري.
[3] شرح مسلم للنووي.