أجرى موقع الجماعة.نت، في وقت سابق، حوارا حيا مع الأستاذ منير الركراكي، عضو مجلس إرشاد جماعة العدل والإحسان، بمناسبة العشر الأواخر من رمضان؛ يذكر فيها بالأعمال السنية المرتبطة بها ويحث على طلبها والاجتهاد في إتيانها، إليكم مقتطفات من هذا الحوار:


العشر الأواخر من رمضان لها خصائص تميزها عن باقي أيام السنة ولياليها فقد كان الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم يجتهد في العمل فيها أكثر من غيرها، ففي صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيرها، وفي الصحيح عنها قالت: “كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر شد مئزره وأحيى ليله وأيقظ أهله”، وفي الصحيح أيضا أنها قالت: “كان النبي صلى الله عليه وسلم يخلط العشرين بصلاة ونوم فإذا كان العشر شمَّر وشد المِئْزر”.

أيها الأخ الحبيب، ومن وراءك ممن يسمع كلامنا، الأعمال التي ندبنا إليها صلى الله عليه وسلم من خلال هذه الأحاديث المروية يمكن إجمالها في هذه ذكرا لا حصرا، وكلها تؤكد على إضافة نوعية يقدمها المسلم بين يدي الإقبال على ربه بالكلية في هذا الشهر الفضيل، وخاصة في العشر الأواخر منه، التماسا لبركة الزمان وحرصا على تمييز هذا الشهر عن غيره وتمييز هذه العشر عن غيرها من أيام الشهر نفسه، زيادة في الحرص وحملا للنفس على إحصاء النفس في العبادة:

إحياء الليل: فإذا كان خارج رمضان يُندب المؤمن ويحث على قيام الثلث الآخر من الليل فإنه في رمضان يضيف إلى قيام الثلث التراويح ما بعد العشاء، لكن الإضافة النوعية والطفرة البعيدة التي تطالعنا بها العشر الأواخر هي هذا المعنى، معنى الإحياء، إحياء الليل سلام هي حتى مطلع الفجر حرصا من المومن على ألا تفوته دقائق هذه الليلة الغالية.

إيقاظ الأهل: فإذا كان خارج رمضان الإنسان يتهاون في حث أهله على قيام الليل سهوا منه أو إهمالا لواجب المسؤولية والرعاية، ففي رمضان عليه أن يظهر من نفسه قوة تحفز أهله بلسان الحال على الاجتهاد في العبادة، خاصة القيام، لكنه بمنطق الحديث سنة مطلوب إليه أن يوقظ أهله وأن يحملها على أن تشاركه في هذا الخير، حتى لا يفوتها الغُنم وتقع في حسرة الندم ومن ثم يشاركها هو في الندم والألم أن حرمها من هذا الفضل وخَراجه يصله ويأتيه لا محالة.

ثالث هذه الأعمال وإن كان فيها المشترك فلها في العشر الأواخر مزيد مفيد هو شد المئزر ومعناه عند جمهور العلماء، أخذا عن السلف الصالح شرحا لمنطوق الحديث، اعتزال النساء وهو من التبتل والرهبنة التي نُهينا عنها إلا في العشر الأواخر: “لا رهبنة في الإسلام”، والتبتل معناه الانقطاع إلى العبادة، وسميت مريم العذراء وفاطمة الزهراء بالبتول لإخلاصهما الوجهة لله وانقطاعهما إلى العبادة وعزوفهما عما يشتهيه النساء من الرجال، ومن ذلك جاءت الصدقة البتلى وهي التي تعطيها ولا يبقى في نفسك شيئا منها.

لاحظوا إن جاز الرفث في ليالي رمضان ففي العشر الأواخر مندوب إلينا أن نعتزل النساء وإلا فالاعتكاف يحرم فيه أن يجامع الرجل أهله ويباشره، من هنا جاء الاعتكاف رابع هذه الفضائل الأفضال والفواضل، الاعتكاف في المساجد نعم وجميل أن يكون هناك مسجد داخل مسجد، أن تكون في خلوة داخل المسجد كما كان يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ كان له حصير ومظلة يحتجب ما بينهما في موضع من المسجد عن الناس عكوفا على العبادة وعزوفا عن مخالطة الناس والاشتغال بهم عما الاعتكاف سنة لأجله، مسجد داخل مسجد حتى إذا خرجت من المسجد الصغير ألفيت نفسك بعدُ لم تبرح المسجد الكبير، لتعلم أن للمعتكف حرمة مضافة وزيادة حرص على أخذ الزينة والتماس السكينة والبعد عن الفتون ما ظهر منها وما بطن.

ثم مع الاعتكاف هناك تلاوة القرآن، وإنما أنزل القرآن في ليلة القدر المندوب إلينا التماسها في العشر الأواخر، فإكراما للقرآن المنزل في هذه الليلة التي سيتم تحرينا إياها في العشر كلها لزم ألا نتلو فقط الحزبين من القرآن كما تعودنا في سائر الأيام، إن كنا ممن يتعهد القرآن بالتلاوة لا يهجره، فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستظهر الكتاب على رسول رسول الله إليه مرة في غير رمضان وفي رمضان مرتين، ونسجا على منوال الأئمة من السلف الصالح وجب أن نكثر من تلاوة القرآن؛ حتى إن الشافعي وأبا حنيفة رحمهما الله كانا يختمان القرآن في كل ليلة من ليالي العشر، وحتى إن الأسود بن يزيد رحمه الله كان يختم المصحف في ست ليال فإذا دخل رمضان ختمه في ثلاث ليال فإذا دخلت العشر ختمه في كل ليلة، ولعل معترضا يقول في ليلة واحدة وقد نُهينا ألا نختم القرآن في أقل من ثلاث، إلى المعترض ما أفادنا به الحافظ بن الراجي رحمه الله أن النهي عن قراءة القرآن في أقل من ثلاث إنما هو على الوجه المعتاد أما في الأماكن الفاضلة كمكة لمن دخلها أو في الأوقات الفاضلة كشهر رمضان والعشر منه فلا يكره وعليه عمل السلف.

مع هذا نقول بأن في العشر الأواخر جميل صحبة الأخيار والانقطاع عن مخالطة الناس، في المسجد يتحقق هذا وهل رواد المسجد المواظبون خاصة في رمضان إلا من أمرنا بالشهادة لهم بالإيمان، ناهيك عن مسجد يضم أكثر من معتكف حيث التعاون على البر والحرص على الخير والتنافس فيما يعود على الإنسان بالدرجات العلا عند الله عز وجل.

ذكرا لا حصرا أذكر واحدة لا آخرة الدعاء والذكر، لأن المعول على المضغة إن صلحت صلح الجسد كله وإن فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب، وقلب لا يذكر الله قلب لا يعبده، والدعاء هو العبادة وهو مخ العبادة، فبهذا يصلح القلب وإلا فسد وحكم على تجارته بالكساد ولو كانت صياما وقياما وصدقة، وهي أبواب الخير المفتوحة إلينا في رمضان دل عليها رسول الله المعلم الأعظم صلى الله عليه وسلم إمام العلماء معاذ بن جبل: “ألا أدلك على أبواب الخير الصوم جنة والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار وصلاة الرجل من جوف الليل” الصوم وقاية من الوقوع في الخطيئة.

الصوم جنة أي وقاية من الوقوع في الخطيئة بشرط أن نفهم فلسفة الصيام؛ وعلى أدق تعبير حكمته في شمولها صوم العينين عن الخيانة وصوم اللسان عن الحصائد وصوم العقل على أن يُجهز ويؤثث بالخليط اللقيط من الأفكار وصوم القلب على أن يُحشى نفاقا وحالقات لا تحلق الشعر ولكن تحلق الدين: الشحناء والبغضاء. وصوم النفس عن الأمر بالسوء واشتهاء المنكر، وصوم الجوارح أن تُبسط في الشر وتقبض عن الخير، وما إلى ذلك من هذه المعاني التي تجعل صيامنا صيام طالب كمال لا عاملين بأركان.

والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، الكلمة الطيبة صدقة وفي رمضان أولى وأحلى وابتسامك في وجه أخيك صدقة، وفي رمضان الابتسام أحلى من الكلام وأجلى في التعبير عن السلام، لا تنتظر أن يؤذيك الآخر فتقول إني صائم حِلما بل باشره بالابتسام حتى يكون منك إفشاء السلام، وترفع عن قسمات وجهه حواجز العبوس في التواصل والتقارب والتعارف أيضا. والصدقة من الطعام؛ وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود ما يكون في رمضان. والصدقة من العلم؛ حيث يكون الإنسان أقرب وأرحب، أقرب إليك لتُآنس جوعته لأنه يريد أن يملأ وقته بنافع ومأجور، حتى إن أحد الأولياء من العلماء قال إن الشهوة من الطعام وغيره تنفث دخانا في الدم فيصبح باسلا وثقيلا فإذا زالت عنه الشهوة ودخانها نفذ النور من المسام فأصبح الدم خفيفا حلوا، لهذا كان للصيام روحانية عالية ينشط بها الصائم من عقال العجز والكسل لينشط في الجد والعمل، هذا إذا كان قد سدد النية وأصلح الطوية وإلا فكثيرون يجعلون الصيام للمنام أو للغو الكلام أو لمخالطة الأنام في الآثام، فهو يكون أدعى لسماع كلمتك وقبول عذرتك. أما الصدقة من المال ومن كل خير تنفق وبر وعون.

والوقاية خير من العلاج، ذاك الذي هو إسراء ومعراج؛ قيام الليل والناس نيام، قيام الليل وباب الله ليس عليها ازدحام، في حلك الظلام، تقف بين يدي الواحد العلام، تتورم منك الأقدام، وأنت سائل أن يدرجك في سبل السلام، مع النبي والصحب الكرام.

هذا قليل من كثير، وإلا فكل عمل بر وخير هو من أعمال رمضان، ومن باب أحرى وأولى هو من البرامج المعتمدة في العشر الأواخر منه. والله أعلم.