يواصل الأستاذ عبد الكريم العلمي قراءته في كتاب الإحسان، فيتحدث في هذا المجلس الثلاثين عن “قضية الشيخ والبيعة” ويقول:

هذه قراءة رغم أهميتها الأهم هو أن يأخذ كل منا هذا الكتاب بين يديه ليقرأه من أجل الاتصاف بما فيه والعمل به والصدق في الطلب والعزم والإرادة.

في الحوار الشامل الذي أجري مع الإمام المجدد رحمه الله عام 1989 قال رحمه الله عن كتاب الإحسان أن فيه “الجواب والإخبار عما هو التصوف، وما هو الإحسان، وما علاقة الصوفية بالإحسان، وكيف انحدر ذلك المطلب العزيز الذي اجتمع عند رسول الله وأصحابه -وهو المطلب الإحساني الجهادي المتكامل- حتى أصبح طلبا إحسانيا خارج حلبة الجهاد”.

يستفتح الإمام هذه الفقرة بالدعاء:

بسم الله الرحمن الرحيم. رب إما تُرِيَنِّي ما يوعدون رب فلا تجعلني في القوم الظالمين. اللهم إني أسألك الطيبات، وترك المنكرات، وحب المساكين، وأن تتوب علي. وإن أردت بعبادك فتنة أن تَقْبِضني غير مفتون.

كان الشيخ سعيد حوى أصدر  أواخر السبعينات سلسلة كتب في التربية الروحية وفيها يبحث عن تصوف محرر كما كان يقول ويقول في هذه الكتب إنه تتلمذ على الصوفية ويتحدث عن تجربة ويبحث عن نوع من التصوف السلفي. هذا لأن الحركة الإسلامية ينبغي أن تلج هذا الباب في عصر الشهوات.

ويقول: “لتزداد الصلات الطيبة بين الناس. ولتكثر حلقات الخير والعاملون لها، ولكن على أن يكون ذلك كله مستقيما على أصول الشريعة وفروعها، وألا يكون على حساب واجبات أخرى”.

يقول الأستاذ المرشد: “في الكتب اللاحقة عرض الشيخ سعيد غفر الله لنا وله ورحمه المشكل في تفاصيله، وهو كيف يستعيد “الإخوان المسلمون” وسائر العاملين في الدعوة روحانية الجماعة التي كانت أساس عمل الإمام البنا رحمه الله دون أن يكون ذلك على حساب واجبات أخرى. هذه “الواجبات الأخرى” واجبات التحرك السياسي، والتكوين الفكري، والتفرغ التنظيمي ردت التربية الروحية ردا، وهدتها هدّا. فهل من سبيل للجمع بين الجهاد العملي اليومي المتشعب القضايا وبين التطلع الدائم للملإ الأعلى والتخلق السامي بأخلاق أهل الله؟”.

دعا الشيخ سعيد في أحد مؤلفاته اللاحقة تكوين جمعية تضم الربانيين في تنظيم خاص، ووضع قوانين لهذه الجمعية…”.

ويعلق الأستاذ المرشد على هذا فيقول: “المشكل صعب عويص. المشكل تربوي نُوراني نوعي قلبي، لا تفيد اللوائح الكمية التنظيمية الفكرية فيه. المشكل أساسا هو كيف تجتمع في القيادة، في شخص واحد أو أشخاص،الربانية والكفاءة الجهادية الحركية كما كانت مجتمعة في البنا رحمه الله”.

من هذا التعليق ينتقل الأستاذ المرشد إلى مناقشة كيف سيطر ظل البنا على الشيخ سعيد حوى سيطرة تامة حيث يقول الشيخ سعيد ححوى: “إننا نملك بفضل الله نقطة البداية الصحيحة. وهي الانطلاق من اجْتهاد إنسان مجدد لا يشك عارفوه أنه من أولياء الله عز وجل، وهو الأستاذ البنا رحمه الله”.

يعلق الأستاذ المرشد:

“من مفهوم التجديد والمجدد ينطلق مؤلفنا ليتساءل عن “مهمة الشيخ في عصرنا؟”، و”ما هي مهمة الشيخ في عصر لم يعد فيه للمسلمين دولة؟”، و”كيف تكون الصلة بينه وبين غيره؟”. ويشرح تصوره لهذا الموضوع بأن “رحلة الأمة المريضة إلى الصحة تبدأ بوجود المجدد ونوابه”. هذا المجدد هو “نموذج الصحة الأول المتمثل في كل عصر أو قرن أو جيل بالمجدد ثم بالوُرّاثِ الكاملين”. ولا يفتأ المؤلف يؤكد أن البنا هو المجدد، إشارة إلى أن “الوُرَّاث” المستحقين للقيادة المؤهلين للتجديد لا بد أن ينبثقوا من الشخص المجدد”.

وهنا يقف الأستاذ المرشد ليحدثنا عن التبرك والسلوك:

“هذا التصور المُغْلَق لدائرة التربية هو بالضبط ما يُسَمَّى في اصطلاح القوم بالتبرُّك. والتبرُّك غير السلوك. التبرك سجّادة ومجلس كان يتصدره الشيخ المؤسس، فلما توفاه الله جلس مجلسه على سجادته “وارث” من أبنائه الدينيين أو الطينيين، واستمر في تقليد الأب الروحي للجماعة، وحافظ على التقاليد، واجتهد داخل المذهب التربوي، واتخذ لنفسه ولمن معه سقفا بشريا بينه وبين الله ورسوله، وحرص ألا يُزاد حرف على “وظيفة” الشيخ الراحل وأذكاره. وهكذا تكونت مدارس وطرق، في طيها العارفون بالله أحيانا، وفي طيها المريدون، وفي طيها أصحاب الأحوال والكرامات، وفي طيها كل شيء إلا التجديد الذي مات مع الشيخ رحمه الله”.

في الحوار الذي بدأنا به كنا سألنا الأستاذ المرشد عن كتب سعيد حوى فقال أنها لا تخرج عن إطار التبرك وقال:

“التبرك هو صحبة الناس الصالحين، التماس الدعاء، أذكار، إذن هذا شيء، وهناك السلوك على يد عارف بالله عز وجل، هذا شيء آخر”.

وهذا يذكرنا بما رأينا في مجلس آخر أن هذا النوع من الصحبة قال عنه الإمام: “تمسح قبر بقبر وميت يمشي في جنازة ميت”.

السلوك لغة: سلك الطريق إذا قطعها وسلك المكان إذا نفذ فيه ودخل. عكس التبرك حيث التبرك: برك البعير إذا استناخ وكل شيء ثبت وأقام فقد برك. وهذا أقصة ما يطلبه المتبرك.

السلوك سير قلبي إلى الله عز وجل.

ونستمع إلى تعريف الأستاذ المرشد يقول في المنهاج النبوي:

“فهو سلوك إذن، سير وطريق تقطع مسافاتها، وغاية يسعى إليها. ما هي طريق معبدة سهلة، بل هي طريق وعرة، عقبة”.

“انتماؤنا إلى الله عز وجل بوحدة السلوك الإيماني الأخلاقي لا يعني أن نتبخر من على الأرض، بل بالعكس يعني أن نلتحم في جماعة الجهاد”.

ثم يتحدث الإمام عن التجديد فيقول:

“إن الله عز وجل وحده يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها كما جاء في الصحيح. يبعثه حيث شاء، ولكل فئة من فئات حزب الله أن تزعُم أنها الوارثة لمجدِّدها، تُغمض عينها قرونا عما يُحدثه الله عز وجل الباعثُ الوارثُ خارجَ أسوارها ليبقى لها تماسُكُها ووحدتُها. الله سبحانه وحده قادر على أن يعيد ما تفرق من سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم لتتجمع الأمة كلها خلف قيادة، في شخص أو أشخاص، في زمن أو أزمان، جامعةٍ للوراثة المحمدية الروحية والجهادية، لاَمَّةٍ لِشَعَثِ ما تَفَرق، مُحْيِيَةٍ لقلوب ماتت، باعثةٍ لهمم هَمَدت وخَمدت، منوِّرة لعقول أخذها الجُهد لتصور “البدائل الإسلامية”، وتحليل الواقع، ووضع الخطط، وإحكام التنظيم، ومواجهة العدو الداخلي والخارجي، عن ذكر الله وعن الصلاة”.

ثم يتوجه بدعاء لله عز وجل يقول:

“نسأله عزت قدرته أن يُلهم من بَعْدَنَا من أحبابه العارفين به وسيلة الجمع، وأن يعطيهم القدرة على سلوك الطريق إليه بهذه الأجيال على منهاج النبوة دعوةً ودولةً”.

ثم يقول:

“ولا معنى للتجديد ولا مكان له، ولو برز بين المسلمين زعماء عظامٌ، ما لم يتجدد في الأمة الإيمان بصحبة المجددين. وكذلك كان حال الأستاذ البنا رحمه الله. كان مغناطيسا ومركز إشعاع. وبحاله نهض الإخوان المسلمون، وعلى مقاله لا يزال يعيش كثير من حَمَلَةِ الأقلام وقراء الأدبيات الإسلامية رحمه الله رحمة واسعة.

كان فكر البنا مغناطيسا ملائما لزمانه، كما كانت روحانيته، وهو حي يرزق، آية من آيات الله. وكان حريصا على أن يخرج بجماعته من سلبيات الطريقة الحصافيّة التبركيّة التي تربى طفلا ويافعا بين أحضانها. لكنه احتفظ بالبيعة الصوفية وطوَّرها لتتسع للجهاد الذي ضاقت عنه الصيغة الموروثة عن المشايخ للبيعة. كانت بيعتُه لأصحابه بيعة مزدوجة، بين السيف والمصحف. بيعة تأخذ من التقليد الصوفي جانبا ومن التنظيم العصري جانبا. ومن بعد البنا رحمه الله تردت هذه البيعة الموروثة عنه بوسائط أو بدون وسائط إلى رباط يمسك بتلابيب الملتحق بهذه الجماعة أو تلك لتضمن الجماعة ولاء عضوها الدائم. وإنها لعرقلة أخرى في سبيل التوحيد المنشود أن تتعدد البيعات وتتضخم. بلوى بلا جَدْوى. بل آفة وطامَّة.

لو اقتصر العاملون للإسلام على الاعتراف بالأمر الواقع لهان الخطب. والواقع أن هذه الجماعات تكونت بعضُها إلى جنب بعض، وبعضها قبل بعض، وبعضها اختلافاً مع بعض، وبعضها انشقاقا عن بعض، لأسباب ترجع إلى التمزق السياسي القطري، وإلى الأصل التربوي والثقافي للمؤسسين، وإلى المرجعية العقدية والمذهبية،

وإلى حب الرئاسات ورُعونات النفوس، وإلى الاجتهاد الديني والموقف السياسي، وإلى تاريخ القيادات والجماعات.
لم يعترف العاملون بالواقع كما هو. ومعرفة أسباب المشكل نصفٌ كبير من الحل، بل برَّرَ كل فريق موقفه، وحفر خنادقه، وحصن حصونه. فلعل الربانية التي نبحث عنها تتجاوز بالجميع، إن شاء الله، خطوط التَّماسِّ، ليخمُدَ اتّقاد الوسواس، وتطيب بذكر الله الأنفاس”.

ووجه الإمام رحمه الله نداء إلى العارفين:

“لن يتجاوز بالأمة هذه الحدودَ الانغلاقُ التبركيُّ. لن يتجاوزها إلا البناءُ على الأساس المحمدية. وإلا فهو الجمود العقلي، والانحسار التربوي، والتصلب التنظيمي. وتبقى مسألة المشيخة الإحسانية، نكل تدبيرها إلى الله جلت عظمته، ونبث في هذه الأوراق نداءنا إلى العارفين بالله أن يجمعوا الشمل ويقودوا الركب. فكفانا تمزقا”.

ويتدحث الإمام المجدد وكيف اشترط شروطا لبيعته ومهد لها بشرح تعاليمه، منها ما هو تعهدات شخصي ومنها ما هو تعبدي ومنها ما هو إحساني ومنها ما هو أخلاقي ومنها ماهو حركي… ثم يقول الإمام المجدد:

“كل هذا جيد، ويصلح نموذجا لإطار تربوي عام. لكن أين النورانية التي تسري من قلب إلى قلب في أسلاك المحبة في الله، وتطير بإرادة مع إرادة على أجنحة الشوق إلى الله، وتنهض بالجماعة في مِحَفَّةِ الصحبة في الله؟ هذا ما يبحث عنه الشيخ سعيد بحث الثكلان”.

ثو يقول الإمام المجدد:

“الشرط السادس والعشرون من شروط بيعة الأستاذ البنا رحمه الله يقول: “أن تديم مراقبة الله تبارك وتعالى، وتذكر الآخرة، وتستعد لها، وتقطع مراحل السلوك إلى رضوان الله بهمة وعزيمة، وتتقرب إليه سبحانه بنوافل العبادة. ومن ذلك صلاة الليل وصيام ثلاثة أيام من كل شهر على الأقل، والإكثار من الذكر القلبي واللساني، وتحري الدعاء المذكور على كل الأحوال”.

وهي شروط عالية، من يَفِ بها لا شك يكن من المتقين. من بينها مسألة واحدة لا يفيد فيها إسرار ولا “إعلان” ولا يخبر عنها بَوْحٌ ولا كتمان، ولا هي من شأن دون شأن، ألا وهي مسألة “قطع مراحل السلوك إلى رضوان الله” هذا لا يجيء إلا بصحبة. والمصحوب رجل حي سلك المراحل إلى الله وتقرب حتى أحبه الله وجعل قلبه مشكاة ونبراسا وسراجا وَهّاجا. ما يحصل ذلك بإجازة تبركية، ولا بالانضواء تحت جناح عظيم من عظماء الأمة، عدا المعصوم صلى الله عليه وسلم، قبلةِ القلوب، رحمة العالمين، محبوبِ الرب جل وعلا”.

نستشف أن هذا المصحوب وإرثه بقي ويبقى في الجماعة. وهذه هي الكلمة التي قالها الإمام المجدد:

“إذا مات فلان بقي سر الجماعة في الجماعة”. وسياق الكلام يفيد أن المقصود إذا مات غلان بقي سر فلان في الجماعة، ولكنه عبر ذلك التعبير نظرا لتواضعه وما حباه الله به من أخلاق عالية.

ونختم بهذه الأبيات للإمام المجدد على لسان طالب الحق:

هذي يدي فاقبلُوني في رياضكُم***لعل ذكرَ إلهي مُذْهِبٌ سَقَمي

علِّي أُروِّي غَليلي مِن حِياضِكُمُ***وأقْبِسُ النُّور كيْ تُجْلَى به ظُلَمِي

عسى نسائمُ طُهْرٍ مِن جنابكُمُ***تُحيي فؤاداً مَواتاً عُدَّ في الرِّممِ