قد يكون من أثر الجحود المستحكم فينا بالأصالة ألا نجد في القريب الماثل كمالا يذكر أو مزية يحق أن يلتفت إليها. فالقريب إليك، المتردد دواليك ۔ على عظمته وتفانيه لك ۔ مبخوس بالإيلاف، مستهلك بدوام المعاشرة التي تحجب عنك مكارمه. ثم تضعه بين عينيك ״إلفا مألوفا״ لا يستحق ذكرا ولا شكرا. حتى إذا شدك الفضول والتشوف يوما لطرق سير العظماء واكتشاف منجزاتهم أرخيت النظر بعيدا على قمم التاريخ أو عاليا على المنصات المشبعة بأضواء الدعاية المصنعة لتقتبس بريقا من أنوارهم ويكون لك حظ من شرف معرفتهم. كيف لا وهم ״العظماء״؟

ليس مستغربا ۔والفهم ذاك۔ ألا يجد الكثير من الأزواج فيمن يعاشرون ويألفون من النساء شروط استحقاق للعظمة. وأنى لهن ذلك؟! فالعظيمات أعزةٌ نوادر؛ لا يعمرن المطابخ ولا يفركن الغسيل ولا يعقل أن يفحن بصلا وتوابل! أما هؤلاء العامرة بهن بيوتنا، فما هن سوى نسوة شغالات طوعا لما تقضيه القسمة الاجتماعية أو تتفضل به ״سنن التسخير״. ثم لا غرو إن طغى الإيلاف أن يسقط التقدير ۔بالتداعي۔ ثم الاعتراف فالإكرام، جزاء لا مكافأة فيه. وهل تكافأ المرأة بأفضل من التعظيم؟

لا ندعي أننا نأتي في هذه الأسطر بجديد في باب الحقوق اللازمة إزاء المرأة. كما لا نزعم أننا نرقى بها درجا على سلم الفضل، وهي التي تعتلي أسمى مراتبه بما بذلت وتبذل وما حملت وتحمل. بل هي لفتة صادقة على طريق العرفان الكامل لخيرية المرأة وشكر لانخراطها الأزلي في خدمة الرجل وعقبه دونما ارتهان بجزاء أو شكر من جهته. فليس ثمة جريمة أنكى من جحود الفضل، وليس ثمة خطيئة آلم في حق المرأة من تهريب حسناتها لتحسب للرجل جملة وكأن وجودها عدم، وكأن حضورها غياب. فقد علمنا بالحدس التاريخي السليم أن نساء الأنصار كان عليهن الثقل الأشق في إتمام حدث الهجرة وإنجاحه؛ لأن المهاجرين ۔ وهم أغراب على كل حال ۔ ما نزلوا إلا ببيوتهن، وما طعموا إلا من صنيعهن، وما اكتسوا إلا مما خطن أو فضل من ثياب أزواجهن. ثم إن الهجرة تضييف وخدمة وإيثار، ومن يضيف ويخدم ويؤثر غير المرأة الأنصارية وقد أنفقت من وسع بيتها ورحابة حجراته وذخيرة قوته يوما تلو يوم، وشهرا تلو شهر دونما تأفف ولا تسخط مما يعتاد في حالات كتلك. غير أن تلقينا للسيرة ينطوي على قدر من البخس غير قليل في حق هؤلاء؛ فتجدنا نردد أفضال سعد بن عبادة وأبي أيوب الانصاري وكعب بن مالك ۔رضوان الله عليهم۔ ولا نكاد نذكر شيئا ذا بال عن زوجاتهم أو ما ساهمن به في الجبهة الداخلية حيث جرت التفاصيل الأدعى صبرا والأكثر دلالة وعمقا في حدث الهجرة.

نعم النساء نساء الأنصار…!

تعال بنا الآن نتتبع تلك الآثار الطيبة الباقية في نسائنا اليوم. تعال بنا نتعقب معاني الأنصارية الراشحة من نسائنا خدمة وإيواء وبذلا واستفراغ جهد. تعال بنا نكافئ المحسنات إحسانا وعرفانا. كيف يكون رمضان دونهن؟ كيف يفرغ البال للطاعة دونهن؟ كيف تأخذ زينتك للمسجد دونهن؟ كيف يطيب فطورك ويصح سحورك دونهن؟ كيف تهنأ في نومتك السلطانية آمنا دون أن تسهر هي، وتعجل في التحضير هي، ثم بعد فراغك وانصرافك تنظف هي، وتجلو الأواني هي؟ أوليس في هذا البذل أثر مبارك من بذل الأنصاريات وصبر الأنصاريات وطول النفس منهن؟ ألا ترى ضآلتك إزاء سموها؟ وتقصيرك إزاء نفيرها؟ واستفرادك بالطاعات وهي لا تجد الوقت لذلك؟ ولزومك بساط الراحة وهي لا تفرغ لذلك؟

ألا ترى فيها سيم العظمة وحروفها؟ ألا ترى من فروض الأدب شكر فضلها وتثمينه، وذكره في ملئك الذكوري لعله يدرك أن في بيتك وبيوتهم أنصاريات أسقطهن الجحود.

تفقدوا الأنصاريات ببيوتكم.