بعد تدمير  أرباب صفقة القرن شعوب المنطقة والأمة سياسيا واجتماعيا وثقافيا منذ مائة سنة بعد “سايس بيكو ووعد بلفور”، وبعد التخريب الذي شتت الأمة خصوصا بعد الانقلابات على ثورات الشعوب العربية ثم المضي نحو تصفية بواعث الأمة ومقوماتها خوفا من النهوض واليقظة، بعد كل هذا التطور تخشى أنظمة الجبر والديكتاتورية من بصيص أي باعث على الأمل في منطقة ما، ويخشى أرباب الصفقة والاستكبار العالمي من بوصلة توجه إرادة الأمة وتوقظها بعد شتات، ويخشون من كل شرارة إبداع وتحرير إرادة،  ويخشون أي نموذج حي شبابي يبعث على الأمل ويجدد العزم ويصنع الوعي ويبلغ الفكرة أن الأمة بخير مادامت هناك نماذج شبابية تنتصر في باب العامود وعلى عتبات المسجد الأقصى وفي حدود غزة ضد جيش الأسطورة الصهيوني المدعم عربيا وعالميا.

وبفضل الله، كانت من أرض بيت المقدس الصدمة قوية في عمق الكيان الصهيوني والاستكبار الأمريكي والعربي لما ظهرت قوة فلسطينية شعبية من غزة يناصرها الشعب الفلسطيني وشعوب الأمة، فأربكت الصفقة وعطلتها عن وقتها وبعثرت الأوراق  وأعادت الاستكبار الصهيوني والأمريكي والعربي للتفكير من الصفر.

 وتبرز فجائية الصدمة من خلال مخالفة التقارير الصهيونية والأمريكية الاستخبارية لواقع نضج وصحوة الشعب الفلسطيني، تقارير رصدت وخلصت خطأً من خلال مراكزها البحثية أن الشعب الفلسطيني بعد سبعين سنة من النكبات والتهجير والتشريد والقتل والتطبيع والحصار والتنسيق الأمني الفلسطيني لن تقوم له قائمة.

قوة صدمة الكيان الصهيوني وأرباب الصفقة رهينة بنوعية الذي صدم واختياره لوقت الصدمة ومكانها، وتنبع قوة الصدمة من خصائص جديدة في الصادم والفاعل للحدث والصدمة وهي:

 – خاصية الابتكار: إذا كانت مرحلة الانتصارات التاريخية السابقة للقوة الشعبية الفلسطينية – منذ وعد بلفور إلى معركة البوابات الإلكترونية –  يطبعها الصمود والانتفاضة والبذل، فهذه المرة لن يواجه  الكيان الصهيوني صفوفا ومسيرات على باب الأسباط أو باب العامود، ولن يواجه مرابطات ومرابطين عند بوابات المسجد الأقصى، ولن يلقى مقاومة في معارك الفرقان أو سجيل، بل صدم الاستكبار الصهيوني والأمريكي والعربي بشعب مجهز معبئ بمخيلة شعب حراكي ثائر، وبعقلية وإرادة الشباب الغزي الذي أبدع في الأشكال الميدانية وجمعات مختلفة الأسماء وسلمية المسيرات ببصلة غيرت البوصلة، وكوتوشوك دخاني عابر الحدود، وورق طائر حارق.

– خاصية التوقيت: اختار الشباب الفلسطيني  الغزي فترة  ذكرى النكبة الفلسطينية ليصنع الفعل في 14ماي، ليعرف الشعوب والأحرار والمنظمات  بقضيته ويفضح جرما ممهدا لصفقة سينزل في 14 ماي وهو نقل السفارة الأمريكية. بل واختار الشباب المبدع التحرك والحشد الداخلي وتعبئة الشعوب لذكرى النكبة قبل حينها بستة أسابيع وجمعات تقريبا ليجعل من مسيراته عنوانا موحدا لها هو “العودة” دون الاستنكاف عن مطلب رفع الحصار عن غزة. فكان الحدث الأهم دوليا وإعلاميا هو العودة إلى الأراضي التي يضمنها قرار 194. 

وقد نجح شباب الحراك في توجيه البوصلة دوليا وإعلاميا، ونجح في تحريك مسيرات الشعوب العربية والإسلامية للنصرة والغضب ضد جرائم الاحتلال، ونجح في تحريك المنظمات الإسلامية والدولية للاصطفاف مع عنوان العودة وتجريم جرائم الاحتلال عند الحدود المحتلة.

– خاصية صناعة الفعل: لم ينتظر الشعب الفلسطيني هذه المرة مكتوف الأيدي موعد نقل السفارة والاحتفال بها في غضون سلسلة خطوات التمهيد لصفقة القرن، ولم يكن الشعب الفلسطيني في زاوية ردة الفعل ودائرة المتفرج بما أنه هو المستهدف من التصفية، بل بادر في شخص حراك غزة وأخذ بالزمام وصنع الفعل قبل 14 ماي، وتحركت مسيرات العودة تعبئة وحشدا  بأسابيع و ست جمعات قبل  الإعلان الرسمي عن نقل السفارة والذي يتزامن مع ذكرى النكبة.

– خاصية الارتكاز: لم يحرك الحراك الشعبي الغزي فقط نفسه والشعب الفلسطيني لمسيرات العودة بل وعبأ معه الشعوب العربية والإسلامية والدولية وجهزها ليوم 14 ماي موعد نقل السفارة ويوم النكبة، بل وغير حراك غزة البوصلة الدولية سياسيا وإعلاميا  ليجعل من قضية فلسطين وغزة النقطة الأساس، فضلا على أن الحراك الشبابي الغزي  كسر إعلاميا من الرواية الإسرائيلية التي تروج  أن “شباب المسيرات بغزة هم قوى إرهابية”. ومما ساعد “نسبيا” في غلبة الرواية الفلسطينية (أن الاحتلال يقنص الشباب في غزة)  هو فكرة شعبية الثورة و”سلمية المسيرات” دون مواجهة مسلحة وإن كانت ضرورة، بل كان الشعب الغزي هو المحرك وكانت وظيفة القيادات والمقاومة تتمثل في دور الحاضنين.
-خاصية الاحتضان: من الخصائص التي أنجحت الحراك الشعبي وقدمت الصفعة للكيان والصدمة لأرباب صفقة القرن هو فوز الحراك الشعبي بإجماع الفصائل والقوى الفلسطينية داخل غزة وخارجها. فضلا عن احتضان محلي شعبي من لدن القوى الفلسطينية (الفاعلة والصادقة) التي كانت سندا وعونا لشباب الحراك وحاضنا لمسيرات العودة، وهذه القوى والقيادات بالداخل الفلسطيني وخارجه كان لها الفضل في نقل الحراك من شعبي محلي إلى حراك دولي إعلامي وقانوني وحقوقي ودبلوماسي يبني تحركاته على مكتسبات مسيرات العودة، ويفضح جرائم الاحتلال ضد شعب أراد أن يعود إلى أراضيه.

لكن الصدمة التي صفعت الكيان الصهيوني هو دخول المقاومة في خط الدفاع كحاضن ثان للحراك الشعبي بعدما أراد الكيان الصهيوني فرض قاعدة واحدة، ولعبة ترضي الطرف الأمريكي والعربي الصامت المتخاذل.

وكانت المقاومة بقوتها سندا مكملا للحراك لحمايته والذود عن حقوقه واستمرار يته دون ترك العنان للآلة الصهيونية الإجرامية لإجهاض عمليات مسيرات العودة وحراك الشباب الذي أدخل المشروع الصهيوني ببصلة وورق طائر وكوتشوك أسود في دائرة الاستنزاف والفضح وفشل الرواية الإسرائيلية وإرباك صفقة القرن.