مقدمة

الأرزاق والنعم التي يغدقها الله سبحانه على الإنسان في الحياة كثيرة، لا عد لها ولا حصر، وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا 1، وكثير من الناس لا ينتبه إلا للنعم المادية الظاهرة، فيسعى في طلبها وربما يشكر أو يكفر مجريها سبحانه، ولكن القليل فقط من طلاب المعالي الموفقين، من يرى نعم الله المعنوية الباطنة، من التوفيق لأعمال الخير، واصطفائه في مواطن الخير، ومنازل العافية في الدين، وسوقه إلى حيث رحماته وعنايته وكنفه ولطفه، وقد ندبنا الله تعالى للفرح بمثل هاته النعم فقال: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ 2 ومن تجليات رحمة الله على العباد ومننه وفضله، ما يكرم به أمة رسول الله صلى الله عليه وسلم في العشر الأواخر من رمضان، حيث يضاعف فيها الخير، ويزكي الأعمال. فإذا كانت العشر الأولى والثانية مباركة، فإن العشر الأواخر نالت الحظ الأوفر من البركة وزكاة الأعمال، ويبقى على الصائم مضاعفة الحزم والعزم والاحتساب، فالله بحكمته اختار زمان العشر واصطفاها وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ 3، والكيّس من الناس من يترقب مواطن الصلاح، وساعات الفلاح، يتعرض لخيراتها، و“إن لربكم في أيام دهركم نفحات، فتعرضوا لها لعله أن يصيبكم نفحة منها فلا تشقون بعدها أبدا” 4بلاغ بشرى من حبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم.

اطلب زكاة عمرك وعملك

إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ، فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ، أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ، رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ 5 بهذا البلاغ القرآني الحكيم، يطرق الله سمع الصائمين، ليرفع هممهم لطلب ما أودعه الله في الأيام المباركة المتبقية من رمضان، العشر الأواخر، حيث ليلة القدر في إحدى لياليها، (يُفرق فيها كل أمر حكيم، يقضي الله كلّ أجل وخلق ورزق إلى مثلها) 6، ومن أرزاقها المصرح بها، مباركة الأعمار والأعمال ما لم ينله العبد في غيره من الأيام، إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ، لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ، تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ، سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ 7، إنها الليلة المشهودة الموعودة، حيث تشرق الأرض بنور ربها بحضور الملائكة والروح جبريل عليه السلام بينها، تستغفر للقائمين السجد الركع، والصائمين الصابرين المحتسبين، والذاكرين التالين لكتاب الله، إنها مكرمة إلهية فريدة في عطائها ونمائها، ورحماتها وسكناتها، إنه عرس كوني جمع بين سكان الأرض والسماء، احتفاء بالدستور الإلهي الحكيم، الذي ينعم الله به على البشرية، كتاب محكم بشرعته ومنهاجه، لا ياتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وفي غمرة هذه المناسبة السنية، يغدق المولى على عباده المؤمنين، عطاء خاص، (وحين ننظر اليوم من وراء الأجيال المتطاولة إلى تلك الليلة المجيدة السعيدة، ونتصور ذلك المهرجان العجيب الذي شهدته الأرض في هذه الليلة، ونتدبر حقيقة الأمر الذي تم فيها، ونتملى آثاره المتطاولة في مراحل الزمان، وفي واقع الأرض، وفي تصورات القلوب والعقول.. فإننا نرى أمراً عظيماً حقاً. وندرك طرفاً من مغزى هذه الإشارة القرآنية إلى تلك الليلة: (وما أدراك ما ليلة القدر؟)) 8، إنها الليلة التي يرشحك فيها المولى سبحانه أن يزيد في عمرك أكثر من ثلاث وثمانين سنة (ألف شهر)، وتذكر أخي عندما ترحل الله، تتمنى أن يرجعك إلى الدنيا ولو ساعة لتعمل صالحا، فلا يجاب طلبك، حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت كلا إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون 9، فها هي الفرصة بين يديك، هبة سنوات، يطويها الله لك في أيام معدودات من عشر رمضان الأخيرة، لذا كان الحبيب صلى الله عليه وسلم يشمر ويجتهد أكثر وأكثر فيها، طلبا لهذه الليلة المباركة حيث رضا الله تعالى وزكاة الأجر، فعن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم “كان إذا دخل العشر أحيا الليل وأيقظ أهله وشد مئزره” 10 بل إنه صلى الله عليه وسلم – وبعض أصحابه – كان يعتكف في المسجد منقطعا للعبادة والذكر وتلاوة القرآن، فعن عائشة – رضي الله عنها-: “أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتَّى توفَّاه الله تعالى، ثم اعتكف أزواجُه من بعده” 11، فاغنم أخي ما تبقى من أيام رمضان، فلعلك لا تدرك اللاحق، وما يدريك لعل الساعة قريب 12! وساعتك أجلك المطوي في علم الغيب.

صدقة تطهرك وتبهج أخاك

وتلك منة أخرى من منن العشر الأواخر، ففيها ندبنا الله تعالى، أن نخرج فيها قسطا مما أتانا الله، صدقة على الفقراء والمحتاجين من المسلمين، وثمة إشارة واضحة في القرآن الكريم، عن نفع وريع هذه الصدقة، إلى من يؤول ويعود أولا، خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا 13. فهي طهرة للمنفق بكل ما علق بأعماله من شوائب الضعف والغفلة، وزكاة وبركة لماله الذي يوثر بقسم منه إلى أخيه في العقيدة، لهذا “فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر طهرةً للصائم من اللغو والرفث وطعمةً للمساكين” 14 وهي صورة أخرى من عظمة هذا الدين، وتماسك وتآزر المنتسبين إليه، وحقيقة أعياد المسلمين وأفراحهم، كما يشرعها الإسلام، فتأمل عبارة “فرض” وأنت تعايش كثيرا من أعياد الأمم، مشارق الأرض ومغاربها، فمنهم المنعم عليهم بذخا وإسرافا، ومنهم القابع في شوارع الحضارة يعض الثرى، فلا يتحقق معنى العيد في أمة الإسلام، حتى تكسو البهجة جميع أفراد المجتمع، وتسد كل منافذ العوز والفاقة، على الأقل، “أغنوهم عن طواف هذا اليوم” 15، وفي العشر الأواخر سنة إلى صبح العيد، ليطهر الله فريضة صيامك من اللغو والرفث، لأن الصوم له، وجزاؤه عظيم لا يعلمه إلا هو، فمن مننه أن يصعد إليه كاملا طيبا مباركا فيه، وأين نفقتك اليسيرة هذه من نفقة الله عليك، وقد وعدك في الحديث القدسي: “قال الله تعالى: أَنفق يا ابن آدم أُنفق عليك” 16..

الأعمال بخواتيمها

“إن أحبّ الأعمال إلى الله تعالى ما داوم عليه صاحبه وإن قل” 17، فدوام العمل سمة على قبوله، ولنحن أحوج من نبينا صلى الله عليه وسلم، في المغفرة والإقبال على الله تعالى، فلنتخذه أسوة حيث “كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر أحيا الليل وأيقظ أهله وجد وشد المئزر” 18 و“كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله، ثم اعتكف أزواجه من بعده” 19، وإذا كان الصيام والقيام يصرف النفس عن الشهوات من فضول الطعام والشراب والنوم دعة النفس، فإن الاعتكاف رباط ينجمع فيه المسلم على الله بكليته، مهاجرا إلى الله تعالى، صارفا نفسه عن فضول الصحبة والكلام وأوقات الفراغ، وبذلك يضمن ليلة القدر وقد تفرغ للعبادة، وختام شهره بأحسن الأحوال، وإن تعذر فلا أقل من الصلوات في المسجد جماعة فرضا ونفلا، واشتغال بذكر الله بكرة وأصيلا، والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.


[1] إبراهيم 34.
[2] يونس 58.
[3] القصص 68.
[4] الطبراني عن محمد بن مسلمة.
[5] الدخان من 3-6.
[6] تفسير الطبري للآية.
[7] القدر من 1-5.
[8] سيد قطب في ظلال القرآن.
[9] المؤمنون 99-100.
[10] البخاري.
[11] البخاري.
[12] الشورى 17.
[13] التوبة 103.
[14] رواه أبو داود وابن ماجه عن ابن عباس رضي الله عنهما.
[15] البيهقي عن ابن عمر.
[16] رواه البخاري ومسلم.
[17] رواه البخاري عن عائشة رضي الله عنها.
[18] البخاري عن عائشة.
[19] البخاري ومسلم عن عائشة.