رأينا في الحلْقة السابقة كيف كانت مدرسة المعلمين بالرباط، البابَ الأول الذي فُتح للشاب عبد السلام على العالم الجديد.

ونطلع في هذه الحلْقة على بدايات سيرته المهنية التربوية، والتي استهلها في مدينة الجديدة، بعدما استقر فيها مع والدته عام ثمانية وأربعين وتسعمئة وألف.

انتظم المعلم الجديد في وظيفته مدرسا لمادة اللغة العربية، وخطا أولى خطواته في دَرَجِ التربية، يعلم ويربي ويلقن ويوجه أبناء الشعب الذي كان يغرق إلى أذنيه في أوحال الأمية.  

ولم تَحُدَّ الوظيفة طموحَه ونهمه إلى طلب العلم. فمن ناحية أولى بذل جهده في رفع مستواه في اللغة الفرنسية بعصاميته المعهودة، ومن ناحية ثانية اجتاز امتحان الدرجة الثانية في اللغة العربية الفصحى، بإشراف معهد الدراسات العليا بالرباط.

وفي أكتوبر عام تسعة وأربعين وتسعمئة وألف، عاد المعلم الشاب إلى مراكش مدرسا بـمدرسة القصبة، مسلَّحا بمجموع معتبَر من التكوين البيداغوجي، ومكلَّلاً بخبرة عام دراسي كامل، وموشَّحا بمستوىً حسن من لغة هذا المحتل الفرنسي ميزةً إضافية.

وفي أكتوبر واحد وخمسين وتسع مئة وألف، عين بمدرسة ابتدائية ملحقة بـثانوية سِيدِي محمد الإسلامية بمراكش ذاتها.

نما زادُ المعلم الشاب من اللغة الفرنسية بالقدر الذي أغرى مدير الثانوية والمدرسة الملحقة بها، المستشرقَ الفرنسي Gaston Deverdun، أغراه باستغلال مؤهلات المعلم الشاب في ترجمة مخطوطات ونصوص عربية، كان يحتاجها في إعداده أطروحته لنيل الدكتوراه عن مدينة مراكش.

وفي هذه المرحلة كذلك، اجتاز امتحان دبلوم اللغة العربية الفصحى بإشراف معهد الدراسات العليا بالرباط،

وهو النواة الأولى لكلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة محمد الخامس، اجتاز الامتحان ولكن ليس من أول محاولة.

ولكنه أعاد الكَرَّة في العام التالي، فنال الدبلوم الذي خول له الترقيَّ إلى درجة أستاذ اللغة العربية الفصحى بالسلك الثانوي، وعُين بـثانوية سِيدِي محمد الإسلامية أستاذا للترجمة.

في مدة لا تزيد عن خمس سنوات، انتقل الشاب عبد السلام من خريج معهد عتيق بدأ لتوه تهجي الحروف الهجائية الفرنسية، إلى معلم للغة العربية فأستاذٍ للغة العربية والترجمة.

طموح وهمة وعصامية ونبوغ.

– يتبع –