بمناسبة شهر رمضان الفضيل، أجرى موقع الجماعة حوارا مع الدكتورة خديجة مسامح، دكتورة في أصول الفقه وعضو الهيئة العامة للعمل النسائي بجماعة العدل والإحسان، حول خصوصية عبادة الصلاة في رمضان؛ أجرها، والإقبال عليها والحرص على أدائها في وقتها وفي المساجد، وكذا دور صلاة التراويح والتهجد في تزكية النفس وتطهير القلب، ثم كيفية الحفاظ عليها بعد انقضاء هذا الشهر الكريم.

هذا نص الحوار:

 

الصلاة ركن الدين وأساس العبادة وصلة المخلوق بخالقه التي لا تنقطع، وقد وردت أحاديث تبين ازدياد أجرها ونورها في شهر رمضان الكريم. كيف ذلك ولماذا وما أثرها على المؤمن؟

بسم الله الرحمن الرحيم. من جميل أفضاله تعالى على المؤمنين أن جعل لهم مناسبات ومواسم يتصالحون فيها مع أرواحهم، فتنطلق الروحانية الحبيسة في سجن ضروريات المعاش الملازمة للحياة، فاطمة النفس عن ما اعتادته من الشهوات، وقاهرة للعادات المستحكمة فيها، في مقدمتها شهر رمضان الذي أراد الله به إشعار الإنسان بأصله العريق المنبثق من  روح الله، فيتخلص من موجبات التثاقل إلى الأرض ويتمسك بحبال النفور في سبيل السمو الروحي.

وهذا السمو الروحي والارتقاء الإيماني لن يتحقق إلا إذا اتصلت الروح بأصلها في موعد الصلوات التي تجعل المؤمن يعرج بروحه ليعانق عالم الصفاء والرضى، ولا شك أن الأمور تعظم بعظم المكان والزمان  قال ابن الجوزي: (إن ثواب العمل يزيد بثواب شرف الوقت)، لذا فإن كل الشعائر في رمضان تعظم بعظمه وتشرف بشرفه، وعلى رأس  العبادات الصلاة، فقد وردت  أحاديث في مضاعفة أجرها في هذا  الشهر الكريم، وإن كانت لاترقى إلى درجة الصحيح إلا أنه يستأنس بها في هذا الباب بالنظر إلى عموم تفضيل الأعمال في هذا الشهر المعظم، إذ الطاعة فيه لها مزية عن الطاعة في غيره إذ أن ثوابها يزيد، فقد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال في حديث رواه البخاري ومسلم (عمرة في رمضان تعدل حجة معي) فعظم أجر العمرة بعظم شهر رمضان، كما قال صلى الله عليه وسلم في حديث رواه البخاري ومسلم (من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ماتقدم من ذنبه) فكانت صلاة الليل في رمضان مكفرة لجميع الذنوب. فالصلاة أفضل العبادات وأعظمها، تتفرد عن غيرها كونها لا تبرح حياة المؤمن في يومه وليلته ومن ثم فأداؤها في وقتها على الوجه الأصح إتقانا لأركانها واستحضارا لمعاني هيئاتها المخصوصة بحضور الفكر والقلب لاشك أن أجرها يضاعف وثوابها يعظم، وليس ذلك على الجواد بعزيز.

في هذا الشهر يزداد الناس إقبالا على الصلاة بل وحرصا على أدائها في وقتها وفي المسجد، هل لذلك ارتباط بالأجواء التربوية العامة في شهرالصيام والقرآن؟

شهر رمضان جعله الله شهر هداية ورحمة، إذ أنزل فيه القرآن هدى للناس على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم الرحمة المهداة للعالمين، يتنعم الله به على عباده فيدعوهم للتوبة والإنابة ويعدهم بالمغفرة والإجابة، ويعد لهم ما يعينهم على ذلك بأن جعل جهود السماوات والأرض تتضافر على مقصد واحد هو أن يخرج المومن من رمضان نقيا تقيا شاكرا لأنعم الله، حيث يفتح لهم أبواب الجنان ويغلق أبواب النيران ويقيد الشياطين حتى لا يكون لها على المؤمن سلطان، حين يستقر هذا في أذهان المؤمنين تتنبه القلوب لاغتنامه والظفر بأفضاله، فيعقدون العزم على التقرب فيه لله عسى يتحقق لهم ما وعدهم به الله، يجتهدون في أداء ما افترض الله عليهم ولاسيما الصلوات، لذا نجد الناس يقبلون في هذا الشهر على الصلاة في وقتها جماعة في المساجد فرضا ونفلا.

هذا من جانب ومن جانب آخر، وبناء على قانون التأثر والتأثير الذي تنبني عليه الحياة الاجتماعية، فإن سلوك الإنسان يسير وفق اختيارات المحيط الذي يعيش فيه إلا ما نذر، وبما أن روحانية رمضان تعم الأجواء العامة في بلاد المسلمين إذ تتنزل الرحمات على قلوب المؤمنين فيسارعون ويسابقون للخيرات الموصلة إلى جنات عرضها السماوات والأرض، نجدهم في هذا الشهر يحرصون كل الحرص على  التقرب لله بالهجرة الجماعية إليه، والانتقال من حال الغفلة إلى حال الذكر تائبين منيبين، ولا يخفى ما للصحبة الصالحة من أثر في هذا الأمر فيكون شعار (هيا بنا نؤمن ساعة) نبراسا يستنير به الأخلاء الذين أحسنوا اختيار الخلة، فيتعاونون على البر والتقوى ويتناصحون بالحق ويتواصون بالصبر.

يتميز هذا الشهر المبارك بصلاة التراويح التي يحرص المتعبدون على أدائها في أول الليل. ما دور هذه الصلاة في تزكية النفس وتطهير القلب؟

معلوم أن صلاة التراويح سنة مستحبة باتفاق العلماء، وهي تندرج في قيام الليل الذي ثبتت أفضليته بالكتاب والسنة، صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة من بعده، فهي من الشعائر التي رغب الشرع فيها خلال رمضان ترقى بروحانيات المؤمن وتغيظ الشيطان وحزبه، لها أثر كبير في تربية النفس وتزكيتها وقدرتها على تحمل المشاق التي يتعرض لها الإنسان في حياته، تورث الطمأنينة والسكينة وتحقق التوازن في الشخصية الإنسانية، ويتحقق للمتعبد الإشباع الروحي، يستنير بها القلب وترضى بها النفس.

قربينا من فضل صلاة التهجد في رمضان وفي ليلة القدر بشكل خاص.

التهجد يندرج ضمن قيام الليل، فيختص بصلاة الليل، فإذا كان قيام الليل يتحقق بالذكر والتسبيح وأعمال الخير كلها فإن مسمى التهجد لا يصدق إلا على الصلاة خاصة، وهناك من العلماء من قيده بكونه الصلاة بعد الاستيقاظ من النوم ليلا، وكلمة التهجد مشتقة من الهجود وهي من الأضداد، فيقال هجد الشخص أي نام، ويقال هجد الشخص أي سهر، والتهجد هو التيقظ بعد السهر والقيام إلى الصلاة من النوم، وعليه فإن التهجد يشمل الصلاة فقط.

أما فضله فيكفي أن نستحضر قول الله تعالى ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك الله مقاما محمودا، فبالتهجد ينال المؤمن الرفعة والدرجات العلى في الجنة لما يلازمه من صبر وصدق وإخلاص وصفاء نفس. لذا بمجرد دخول العشر الأواخر من رمضان نجد العديد من المؤمنين يجتهدون في العبادة تهجدا أملا منهم في موافقة ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر، روى ابن ماجة عن أنس رضي الله عنه قال: دخل رمضان فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن هذا الشهر قد حضركم، وفيه ليلة خير من ألف شهر، من حرمها فقد حرم الخير كله، ولا يحرم خيرها إلا محروم).

فطوبى للمتهجدين بالليل، أولئك الذين يرثون النور الدائم من أجل أنهم قاموا في ظلمة الليل يتضرعون إلى ربهم، ينزلون عنده حاجاتهم فيقضيها لهم. قال صلى الله عليه وسلم  فيما رواه الإمام أحمد والترمذي: (عليكم بقيام الليل، فإنه دأب الصالحين قبلكم، وقربة إلى الله تعالى).

كيف يكون رمضان بمثابة تدريب لما بعده حفاظا على الصلاة في وقتها، وفي المسجد، وتحفيزا لقيام الليل؟

قال ابن القيم: (والله سبحانه يعاقب من فتح له بابا من الخير فلم ينتهزه، بأن يحول بين قلبه وإرادته، ورمضان باب أعظم من أبواب الخير، من اغتنمه بحق فتح الله له به أبواب الطاعات بعده).

وقال ابن رجب الحنبلي: (هذه الشهور والأعوام والليالي كلها مقادير الآجال، ومواقيت الأعمال، ثم تنقضي سريعا، وتمضي بعيدا، والذي أوجدها وابتدعها وخصها بالفضائل باق لا يزول، ودائم لا يحول، هو في جميع الأوقات إله واحد، ولأعمال عباده رقيب مشاهد).

لذا فرمضان هو مدرسة تربوية تؤهل المرء للمواظبة على أعمال الخير والمداومة على أسباب التقرب منه سبحانه قياما وذكرا ودعاء، واجتناب الفواحش ما ظهر منها ومابطن استحياء من الله تعالى فيبقى نهر الأجر جاريا لا ينقطع صبيبه.

فاللهم اجعلنا ممن صام رمضان وقامه إيمانا واحتسابا حتى نكون ممن فاز بالغفران وحقت له الجنان.