صدق أولا تصدق! في كل سنة تقوم السلطات المغربية بمنع المواطنين من الاعتكاف خلال العشر الأواخر من شهر رمضان المبارك، ويصل الأمر إلى حد إخراجهم بالعنف والقوة من المساجد، في انتهاك صارخ لحرمة بيوت الله دون أي سند قانوني أو حكم قضائي، وبحجج وادعاءات واهية ثبت زيفها وعدم قانونيتها على الرغم من أن هذه الشعيرة تعتبر من السنن المؤكدة التي حرص النبي صلى الله عليه وسلم وأزواجه وصحابته والتابعون من بعده على إقامتها والمواظبة عليها وإحيائها في المسجد، كما دأب المغاربة على نفس النهج التزاما بالمذهب المالكي والعقيدة الأشعرية وثوابت الأمة.

يجري هذا المنع والقمع الذي أصبح هو الأصل والفصل تحت يافطة تأطير الحقل الديني “حفاظا على الأمن الروحي للمغاربة”، وفي بلد الخطابات الرسمية المتمسحة بقيم الإسلام والمتغنية صباح مساء بشعارات الديمقراطية وحقوق الإنسان ودولة الحق والقانون. وبغض النظر عن حكم الشرع في الاعتكاف، نتساءل: هل النصوص القانونية والتنظيمية تسعف السلطة في منع الاعتكاف بالمساجد؟ وما هو الأساس أو السند القانوني الذي يبيح الفعل ويجرّم المنع؟ وهل سبق للقضاء المغربي أن تصدى للأمر أم لا؟

ينص الفصل 3 من الدستور المغربي على أن “الإسلام دين الدولة، والدولة تضمن لكل واحد حرية ممارسة شؤونه الدينية”، ويشير الفصل 6 من الظهير الصادر بتاريخ 2 أكتوبر 1984 المتعلق بالأماكن المخصصة لإقامة شعائر الدين الإسلامي فيها “تعتبر وقفا على عامة المسلمين ولا يمكن أن تكون محل ملكية خاصة جميع الأبنية التي تقام فيها شعائر الدين الإسلامي سواء منها ما هو موجود الآن أو ما سيشيد في المستقبل من مساجد وزوايا وأضرحة ومضافاتها”. أما الفصل 7 من نفس الظهير المذكور فيؤكد على أنه “تفتح الأبنية المشار إليها في الفصل الأول أعلاه (المساجد/ الزوايا/ جميع الأماكن الأخرى التي يمارس فيها المسلمون شعائرهم الدينية) في وجه عامة المسلمين لإقامة شعائر الدين الإسلامي بها”.

وبناء عليه فإن الدستور ضمن حرية ممارسة الشؤون الدينية واعتبر المساجد وغيرها فضاءات مفتوحة في وجه عامة المسلمين لإقامة شعائرهم الدينية وعلى رأس هذه الشعائر بل ومن أهمها سنة الاعتكاف التي أجمع علماء الأمة على مشروعيتها.

من جهة ثانية فإن المشرع المغربي لم يقتصر فقط على ضمان حرية ممارسة الشؤون الدينية وقداسة وحرمة أماكن ممارستها بل تعداه إلى تجريم وعقاب أي مساس أو تعطيل لحرية ممارستها، وهو ما نص عليه القانون الجنائي ــ الباب الثاني المتعلق بالجنايات والجنح الماسة بحريات المواطنين وحقوقهم في الفرع 2 الخاص بالجرائم المتعلقة بالعبادات ــ في الفصل 221 على أنه “من عطل عمدا مباشرة إحدى العبادات، أو الحفلات الدينية، أو تسبب عمدا في إحداث اضطراب من شأنه الإخلال بهدوئها ووقارها، يعاقب بالحبس من ستة أشهر إلى ثلاث سنوات وغرامة من مائتين إلى خمسمائة درهم”، علما أن الفصل 220 من نفس القانون يعاقب حتى على استعمال العنف أو التهديد في منع أو حضور عبادة ما بنفس العقوبة المذكورة أعلاه.

لذلك فإن القانون يلزم النيابة العامة بتحريك المتابعة ضد من اتخذ قرار منع الاعتكاف بالمساجد باعتباره عملا تحكميا يقع تحت طائلة الفصل 225 من القانون الجنائي الذي ينص على أن “كل قاض أو موظف عمومي، أو أحد رجال أو مفوضي السلطة أو القوة العمومية يأمر أو يباشر بنفسه عملا تحكميا، ماسا بالحريات الشخصية أو الحقوق الوطنية لمواطن أو أكثر يعاقب بالتجريد من الحقوق الوطنية”.

ومن جهة أخرى فقد سبق للقضاء المغربي بدرجتيه ان قضى ببراءة مجموعة من المواطنين كانوا معتكفين بأحد المساجد وتم اعتقالهم ومتابعتهم ويتعلق الامر بالحكم رقم 948/08 الصادر بتاريخ 13 يوليوز 2009 عن المحكمة الابتدائية بسطات في الملف الجنحي عدد 2955/09، المؤيد بالقرار الاستئنافي عدد 192 الصادر بتاريخ 04 فبراير 2010 عن محكمة الاستئناف بسطات في الملف الجنحي عدد 140/2009، ومما جاء في حيثيات الحكم الابتدائي:

“وحيث إنه بالرجوع لوقائع النازلة وتصريحات الأضناء خاصة محمد الكبوري وجواد عادل ومصطفى الصغير ومحمد الهشرية تبين أنهم يعتكفون خلال العشر الأواخر من شهر رمضان في تلاوة القرآن، والأحاديث وقيام الصلاة، ولا يوجد بالملف ما يفيد كونهم كانوا يهيئون لدراسة مسائل محددة في جدول أعمال محدد من قبل، وأن ما كانوا يقومون به يهم واجبهم الديني المتمثل في قيام الصلاة والذكر الحكيم وبالتالي ينتفي معه عنصر الاجتماع العمومي، وأن الدعوة لم تكن للجمهور بقدر ما كانت واجبات دينية لا تطالها مقتضيات الفصل 1 من ظهير 15/11/1958.

وحيث إن الأصل في الأشياء هي الإباحة وأمام انعدام العناصر القانونية المنصوص عليها في المادة الأولى من الظهير المذكور، فإن المحكمة ثبت لديها واقتنعت أن ما أقدم عليه جميع الأضناء من قيام الصلاة والاعتكاف بمسجد أولاد معمر خلال العشر الأواخر في شهر رمضان لا تنطبق عليه المقتضيات المذكورة ويتعين بالتالي التصريح ببراءتهم وتحميل الخزينة العامة الصائر”.

ختاما يبقى سلوك السلطة بهذا الخصوص مرفوضا قانونا وقضاء وشططا في استعمال السلطة في دولة تصف نفسها بدولة الحق والقانون، مما يتوجب معه على جميع شرائح المجتمع وكل الغيورين والفضلاء والعقلاء ومنظمات حقوق الإنسان إدانة هذا الفعل الشنيع وممارسة كل اشكال الضغط والفضح حفاظا على أسمى حق من حقوق الإنسان في هذا الوجود وأهم منطلق للحقوق والحريات ألا وهو ضمان حق الإنسان في معرفة الغاية من خلقه ووجوده وحريته في ممارسة شعائره ومعتقداته لمعرفة ربه بكل حرية، على قاعدة “لا إكراه في الدين”.