أولى رسول الله صلى الله عليه وسلم من العناية والتخصيص للعشر الأواخر من رمضان الشيء الكثير، لما في ثناياها من كنوز وجواهرَ مكنونةٍ، فهي درة الشهر ومسك ختامه، وهل الأعمال إلا بالخواتيم؟

فكان صلى الله عليه وسلم يجتهد فيها ما لا يجتهده في غيرها. “كان إذا دخل العشر، أحيا ليله وأيقظ أهله وجد وشد مئزره”.

الاعتكاف يتيح للمومن أن يضع قدميه في الآخرة ليجتمع من يدعون ربهم بالغداة والعشي بصبرهم أنفسهم لكي يلموها ويوحدوا وجهتها بطلب وجه الله.

أصل الاعتكاف طول المكث ولزوم المكان، وهو في الشرع: لزوم المسجد لطاعة الله عز وجل. وقيل: الاعتكاف هو الاستقامة على الشيء. والله عز وجل أمر سيدنا إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود.

الاعتكاف سنة مشروعة ثابتة في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فـقد واظب عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأزواجُه من بعده.

وتقول السيدة عائشة رضي الله عنها فيما أخرجه الشيخان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله ثم اعتكف أزواجه. إذن فالاعتكاف في العشر الأواخر فيه التماس لليلة القدر وفضلها رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله وفعله ورغب في الإقبال فيها والاجتهاد.

والاعتكاف يتيح ما لا يتيح الرباط، وهو أفضل وسيلة لأكمل غاية.

الأصل في الاعتكاف أن يكون في المساجد حيث تصلى الفروض الخمسة، قال الله تعالى: ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد، لكن ما العمل إن تعذر الاعتكاف في بيوت الله عز وجل؟

استنبط الفقهاء أن الاعتكاف يكون في المسجد، لكن حين تؤمم المساجد ويمنع فيها المومنون ويُخرجون بالقوة، حينها يضطرون إلى الاعتكاف في البيوت والله عز وجل يعطي نفس الأجر والثواب. والله تعالى حذر من منع المساجد: ومن أظلم ممن منع مساج الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها.

إن مدار الأعمال على القلب، وأكثرُ ما يفسد القلب تلك المشوشاتُ والشواغلُ التي تصرفه عن الإقبال على الله عز وجل من شهوات الطعام، والشراب، والنكاح، وفضول الكلام والنوم، وغيرِ ذلك من الصوارف التي تفرق أمر القلب. فسن لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة الاعتكاف حتى يتحصن القلب من غائلة تلك الصوارف، ما يجعله مؤهلا لتلقي أنوار السماء، متعرضا لنفحات العشر المباركات، عسى تصيبه نفحة فلا يشقى بعدها أبدا.

الاعتكاف يتيح الخروج من زمن الغفلة والتسيب في الأوقات إلى زمن الذكر يتقلب العبد من عبادة إلى عبادة ومن ذكر إلى ذكر حتى يخرج إن شاء الله مغفورا له. فهو إذن فرصة لقهر النفس ومنعها من شهواتها ورغباتها والاشتغال بذكر الله وتلاوة كتاب الله وفي هذا مطهرة وتزكية للنفس.

تعرضا لنفحات العشر الأواخر والتماسا لأنوار الاعتكاف، تحرص جماعة العدل والإحسان كل سنة على تنظيم اعتكافات يجتمع فيها المؤمنون على الله، برنامجهم ذكر الله، ومطلبهم الزلفى من الله، يتقلبون من عبادة لعبادة، شعارهم انتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرباط فذلكم الرباط.

برنامج الاعتكاف إيماني نبوي متنوع، نحاول أن نراعي الزمن القرآني والنبوي، فكل زمن مذكور خصه الله تعالى بعبادة معينة نحاول أن نأخذ بتلك العبادة، فمثلا يقول الله تعالى: كانوا قليلا من الليل ما يهجعون، فنحاول ألا ننام إلا قليلا.

وإحياء النبي صلى الله عليه وسلم لليل معناه أنه يبعث فيه حياة فكأن الليل يعيش مواتا وأنت نائم غافل عنه ولكن عندما تقوم لا تحيي قلبك فقط بل تحيي الكون تبعث فيه حياة. فنحرص أن نكون في الموعد بالدعاء والاستغفار وبمناجاة ربنا عز وجل.

الذكر شرط أساس في سلوك مدارج الإحسان، وبرهان عملي للتأسي بخير الذاكرين ، وشهادة ربانية على الرفعة والفضل فهو أكبر من كل شيء، ومن كل عمل، وأجره فوق كل أجر، وثمرته لا حد لها ولا حصر.

في الاعتكاف يعيش المومنون حالة الاستغراق الدائم في الذكر، ذكرِ القلبِ المقرونِ باللسان والجوارح، يترقى فيها المومن من ذكر اللسان إلى ذكر القلب واللسان، ومن الذكر في أوقات معينة إلى الاستغراق فيه كل الوقت،

هناك جلسات مطولة خاصة بالكلمة الطيبة لا إله إلا الله والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم ومحاسبة النفس، حتى يكون لسانك رطبا بذكر الله.

كان السلف الصالح إذا أقبل رمضان عكفوا على كتاب الله وتركوا ما سواه ، كيف لا ورمضان شهر القرآن.

في الاعتكاف يجعل المومنون القرآن جليس خلواتهم وأنيس وحدتهم وبابهم إلى الكريم المنان . يجتهدون في خدمته حفظا وتعلما، مدارسة ومذاكرة، سماعا و تدبرا ،

هناك اهتمام بالقرآن الكريم تلاوة واستماعا وحفظا وضبطا لأحكام التلاوة.

في الرباط العمل الجماعي المنظم يتيح ما لا يتيحه العمل الفردي المتشظي، فها أنت مع إخوتك استطعت أن تفعل الكثير مما لا تستطيع عشره وحدك. فاحرص على الجماعة.

من فوائد الاعتكاف تطهير النفس وتزكيتها والتمرن على فضائل الأعمال، فإذا خرج الإنسان من الاعتكاف وجد نفسه قد تدرب على القيام والصيام والنوافل وقراءة القرآن، ويكفي المعتكف فخرا وشرفا أن يوافق حقيقة ليلة القدر و أن يكون جليسا لله وملائكته.

يقول الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله:

“والاعتكاف فرصة ومناسبة لكي نتعمق في أنفسنا، لكي ننظر في قلوبنا أي شيء فيها، فقلما تتاح للناس فرص، خاصة في هذا الزمان الشاغل المشغول، لكي يجلسوا إلى أنفسهم فيفتشوا باطنها وداخلها فيسائلوها: إلى أين أنت ذاهبة ومن أين جئت؟”.