مرة أخرى يسقط ضحايا في آبار جرادة بحثا عن مصدر عيش دفعهم إليه ظلم اجتماعي حاصر المدينة منذ عقود؛ فقد لقي شخصان يبلغ عمرها على التوالي 33 و 42 سنة حتفهما، يوم الأحد 03 يونيو 2018 بجماعة سيدي بوبكر بإقليم جرادة، بعدما انهار عليهما جزء من نفق كانا يستخرجان منه معدن الرصاص.

ولفظ أحد شهيدي الخبز أنفاسه على الفور عقب إخراجهما من النفق من طرف بعض أبناء المدينة، بينما توفي الآخر بعد نقله إلى المستشفى الإقليمي بوجدة.

وعلاقة بالموضوع أصدرت منظمة هيومن رايتس ووتش تقريرا رصدت فيه الانتهاكات التي مارستها الدولة المغربية في حق ساكنة جرادة عقب الاحتجاجات التي خرجت قبل 6 أشهر للمطالبة بحقوقها الاجتماعية.

وقالت المنظمة إن “الشرطة المغربية ردّت على احتجاجات مارس 2018 في مدينة جرادة الفقيرة، المعروفة بمناجم الفحم، بالقمع طيلة أسابيع؛ واستخدمت قوات الأمن القوة المفرطة ضد المتظاهرين، وقادت سيارة شرطة بشكل متهور فدهست صبيا يبلغ من العمر 16 عاما، أصيب بجروح بالغة؛ كما اعتقلت قادة الاحتجاج الذين وردت أنباء عن سوء معاملتهم خلال الاحتجاز”.

وأضافت المنظمة الحقوقية أن “هذا القمع يماثل الرد على احتجاجات مماثلة على مظالم اقتصادية وما يقال إنه إهمال حكومي في فترة 2016-2017 في منطقة الريف في شمال المغرب”.

وتابعت أن إدعاءات السلطات بكون اعتقال المتظاهرين في جرادة جاء بعد أن تحولت الاحتجاجات إلى أعمال عنف وتسبب المتظاهرون في أضرار بالممتلكات.. إلا أن ذلك بحسب المصدر ذاته فهذا لا يبرر “استخدام القوة العشوائية والمفرطة، أو الاعتقالات التي بدأت قبل ذلك التاريخ؛ كما أنه لا يبرر قمع الاحتجاجات السلمية أو سوء المعاملة المزعومة للمحتجزين”.

فيما قالت مديرة قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في المنظمة أن القمع في جرادة “ذهب أبعد من محاولة تقديم المتظاهرين العنيفين المزعومين إلى العدالة”، مردفة “يبدو أن الأمر يتعلق بقمع الحق في الاحتجاج السلمي على الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية”.

وذكر التقرير بعض تفاصيل الأحداث والانتهاكات التي شهدتها المنطقة نقلا عن باحثي هيومن رايتس ووتش الذين “زاروا جرادة في 4 أبريل واستُجوبوا عند نقطتي تفتيش أمنيتين، ثم تتبعتهم عن كثب سيارة تحمل 3 رجال بثياب مدنية، ما دفع شهودا كانوا ينوون استجوابهم إلى إلغاء اللقاءات المقررة، على ما يبدو. لاحظ الباحثون وجودا مكثفا لقوات الأمن، حيث نُشرت قوات مسلحة للشرطة في كل شارع رئيسي وساحة في المدينة الصغيرة، وأكثر من 100 سيارة شرطة في المناطق المجاورة. التقى الباحثون بناشطين حقوقيين وعبد الحق بنقادى، وهو محام ينوب عن العديد من المتظاهرين، في مدينة وجدة القريبة في 3 أبريل”.

وسردت حادثا آخر يعد الأكثر ترويعا ويؤكد أسلوب السلطة في التعامل مع المحتجين وحجم الغل الذي تكنه لهم، هذا الحادث وقع في 14 مارس وتم تصويره في شريط انتشر بشكل واسع على وسائل الإعلام الاجتماعي، ويتعلق بدخول “عربات الشرطة موقع احتجاج، ودهست إحداها صبيا يبلغ من العمر 16 عاما وأصابته إصابات خطيرة. وابتداء من ذلك اليوم، اقتحم رجال الشرطة منازل في جرادة دون تقديم مذكرات اعتقال، وضربوا عدة رجال عند إلقاء القبض عليهم، وحطموا الأبواب والنوافذ”.

وقالت المنظمة إن الاعتقالات استمرت، حيث تم الإبلاغ عن 23 حالة اعتقال مؤخرا بين 12 و27 مايو، وحتى 31 مايو، كان 69 متظاهرا، منهم 3 قاصرين، في السجن أو رهن الاحتجاز السابق للمحاكمة. وإن 4 محتجزين، بمن فيهم 2 من قادة الاحتجاجات، رهن الحبس الانفرادي منذ أكثر من شهرين.

وأضافت معتدمة على معطيات قدمها لها محامي المعتقلين بنقادى إن الشرطة استخدمت القوة المفرطة في العديد من الاعتقالات؛ وقال الأخوان محمد وعبد الصمد حبشي لبنقادى إن قوات الأمن حطمت باب منزلهم وألقت القبض عليهم وضربتهم.

وأضاف بنقادى أن الطاهر الكيحل، الذي مثل في 17 مارس أمام محكمة الاستئناف بوجدة مع ضمادة على رأسه، أخبر قاضي التحقيق بأن الضمادة تغطي جرحا أصابته به الشرطة عندما ضربته. وأضاف أن قاضي التحقيق لم يعلق أو يفتح تحقيقا في الموضوع.

وقال خالد آيت الغازي، الذي اعتُقل في 14 مارس قبل المواجهة، للقاضي في المحكمة الابتدائية بوجدة في 19 مارس إن عناصر أمن ضربوه على رأسه عند إلقاء القبض عليه، حسب قول بنقادى. ورفض القاضي طلبه بإجراء فحص طبي. وقال المحامي إن الشرطة لم تعرض مذكرة اعتقال على أي من هؤلاء الرجال أو تقرأ عليهم حقوقهم، كما هو مطلوب بموجب الدستور المغربي.

الأمر نفسه حدث مع الناشطين المعتقلين مصطفى ادعينين وأمين المقلش اللذين أكدا بأن قوات الشرطة ركلتهم على الرأس والظهر والعنق أثناء إلقاء القبض عليهما. وأخبرا المدعي العام في المحكمة الابتدائية بوجدة وقاضي التحقيق في محكمة الاستئناف عن إصاباتهما، لكنهما لم يوافقا على فحصهما، بحسب تصريح بنقادى.