أجرى موقع “الجماعة نت” حوارا مع الأستاذة الباحثة نادية بلغازي، عضوة الهيئة العامة للعمل النسائي لجماعة العدل واحسان، تناول فضائل الشهر الكريم، وبعضا من الأسرار والحكم الربانية المتجلية فيه، وقبسات من نفحاته وبركاته وفيوضاته، انطلاقا من الآيات القرآنية الكريمة، والأحاديث النبوية الشريفة.
وفي ما يلي النص الكامل لهذا الحوار:

رباط قوي يجمع بين القرآن وشهر رمضان، يحسها المومن والمؤمنة في أول يوم من أيام هذا الشهر الكريم، فيُقْبِلان على القرآن بشغف بالغ، ويتدبراه وتغص المساجد بالمصلين والمصليات والتالين والتاليات، ما السر في العلاقة القوية والارتباط الدائم الذي نستشفه بين القرآن ورمضان؟

بسم الله الرحمن الرحيم. ابتداء نحمد الله تعالى حمدا لا انقطاع له بدوام فضله علينا وعلى الناس، ومن أعظم الفضل أن أبلغنا رمضان، فالرجاء في الله الوهاب الكريم ألا يحرمنا نواله فيه، وأن يكرمنا من بالغ فيوضاته وأنواره وأمةَ رسول الله صلى الله عليه وسلم جمعاء.

رمضان شهر القرآن، فيه كان أول لقاء بين خبر السماء والأرض فأنزلت هداياته رحمة من الله تعالى بهذا الإنسان المشرف المكلف شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ 1، وفيه عورض رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل كان شهر نزول كل الهدايات السماوية كما ورد في الحديث الذي أخرجه الإمام أحمد رحمه الله في مسنده عن واثلة بن الأسقع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “أنزلت صحف إبراهيم عليه السلام في أول ليلة من رمضان، وأنزلت التوراة لست مضين من رمضان، والإنجيل لثلاث عشرة خلت من رمضان، وأنزل القرآن لأربع وعشرين خلت من رمضان” 2.

ولما كانت العبادات معللة بمصالح العباد، فإن كلا من الصيام والقرآن وسيلتان لاكتساب التقوى والإخلاص والقرب من الله تعالى. يقول جل وعلا في مفتتح سورة البقرة متحدثا عن صفات المؤمنين المتقين المصدقين بكل كتب الله المقيمين لشرائع الله: ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ 3، كما علل جل وعلا تشريع الصيام بقوله في محكم التنزيل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ 4.

فالعبد أكثر ما يكون قربا لله تعالى ما حرص على انتفاء الشواغل الحاجبة عن الاغتراف من أنوار هذا الشهر الفضيل حتى إذا ما تصرم رمضان، وجد غنمه منه كبيرا وزاده عظيما، به يتقوى على المسير في أداء واجباته الاستخلافية والتعبدية.

ولعل هذا ما نفهمه من حرص الصحابة رضي الله عنهم على بلوغه، هم الذين كانوا شهورا يسألون الله ذلك، وشهورا يحيون أنواره، فكانت حياتهم كلها رمضان، وهم يتمثلون البشارة النبوية الكريمة: “الصيامُ والقرآنُ يشفعانِ للعبدِ يومَ القيامةِ” 5، وهذا ما نفهمه من قول الإمام المفسر الطاهر بن عاشور في الجزء الثاني من تحريره وتنويره 6: “إن نزول القرآن لما كان لقصد تنزيه الأمة وهداها ناسب أن يكون ما به تطهير النفوس والتقرب من الحالة الملكية واقعاً فيه”.

ولعل صيام رمضان إيمانا واحتسابا تجل من تجليات شكر الله تعالى على نعمة القرآن الذي نزل في شهر رمضان.

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض القرآن في كل رمضان على سيدنا جبريل، وفي العام الذي التحق فيه النبي صلى الله عليه وسلم بالرفيق الأعلى عرضه مرتين، ما هي الحكمة من عرضه في رمضان؟

الرسول صلى الله عليه وسلم أكمل من اهتدى بأنوار القرآن الكريم، وأحسن من تمثل هديه وامتثل لأمره ونهيه، حتى كان صلى الله عليه وسلم قرآنا يمشي على الأرض. ولما كان مما علمنا الله تعالى أن الأنفس تزكو وتصفو بالصيام، فقد تكون من حكم العرض الرمضاني لكتاب الله تعالى تيسير فهمه واستيعابه لرسول الله صلى الله عليه وسلم حيث تصفو النفوس أكثر بالصيام وتعم روحانيته، تحققا من وعد الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بتثبيته في صدره بعد أن خشي تفلته أو نسيانه فكان يستعجل التلقي: لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ، إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ، فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ 7

ألم تر أن الله تعالى أمر سيدنا موسى عليه السلام بالصيام أربعين يوما ليتهيأ لمناجاة ربه، فرسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر ما يكون تأثرا بهديه في رمضان عند المراجعة والعرض، فعند الإمام البخاري رحمه الله تعالى عن ابن عباس رضي الله عنهما: “كان رسول الله أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن فلَرسول الله أجود بالخير من الريح المرسلة”.

في كتب الحديث أحاديث تبين فضل قراءة القرآن وتلاوته، وفضل القيام بآياته، وفضل تدبره، وفضل التغني به، وفضل العمل به، كأنها مأدبة ومائدة عنوانها واحد “القرآن” ولكن أطباقها متنوعة لكل منها طعم خاص، فكيف ينوع المؤمن في برنامجه الرمضاني بين هذه الأطباق من حيث حجمها وأوقاتها وما تطلبه من حضور القلب فيها؟

الخير لا شك في الأمة موصول إلى قيام الساعة، لكنا نأسف أن تلهي الأطباق المادية لغذاء الأبدان أحيانا أطباق الروح في الشهر الفضيل، وهي فرصة ثمينة لتغذيتها الغذاء الكامل الذي يجملها ويزكيها ويقيم السلوك على المحجة اللاحبة التي تركنا عليها المصطفى صلى الله عليه وسلم.

طغت العادات الاستهلاكية حتى أصبح التنافس على التحضيرات المعاشية أقوى من تحضير أواني القلوب لتلقي عطاءات الشهر الكريم.

وإذا كان حظ المؤمن من كتاب الله حاضرا في كل الشهور مخافة هجره فتنطبق عليه شكوى المصطفى صلى الله عليه وسلم: وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَٰذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا 8 فإن لهجره صورا حددها الإمام ابن القيم، رحمه الله، في كتاب الفوائد 9 في:

هجر سماعه والإيمان به والاصغاء إليه.

هجر العمل به، والوقوف عند حلاله وحرامه وإن قرأه وآمن به.

هجر تحكيمه والتحاكم إليه في أصول الدين وفروعه، واعتقاد أنه لا يفيد اليقين، وأن أدلته لفظيه لا تحصل العلم.

هجر تدبره، وتفهمه، ومعرفة ما أراد المتكلم به منه.

هجر الاستشفاء والتداوي به في جميع أمراض القلوب وأدوائها، فيطلب شفاء دائه من غيره”.

وتسنح فرصة رمضان، فيحرص المؤمن أن يكون له من كل ما يخالف الهجر المقيت ويضاده نصيبا وافرا، فكما يعتني بتلاوته وحفظه يغنم من مجالس الإيمان والمقارئ للتزود من فضل حفظه وحسن تلاوته بتعلم قواعد التجويد، كما يملأ أوقاته بقراءته وحسن تدبره آناء الليل وأطراف النهار ما استطاع إلى ذلك سبيلا، ويقوم ليالي رمضان بآياته واقفا متبتلا بين يدي المولى جل وعلا راغبا في الزلفى وحسن مآب، كل ذلك بتوازن لا يضيع الحقوق ويقيم الواجبات ووفق خطة مدروسة مبرمج لها قبل رمضان. نسأل الله الوهاب أن يجعل لنا من ذلك حظا وافرا ونصيبا هائلا.

ورد ذكر نزول القرآن الكريم في شهر رمضان في ثلاثة مواطن، في سورة البقرة: شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ وفي سورة الدخان: إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَة وفي سورة القدر: إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ… هل من قراءة تدبرية لهذه الآيات ومعانيها وسياق السور التي نزلت فيها؟

من بركة الزمن أن أنزل الله تعالى كتابه في شهر رمضان، ومن بركة الأقدار أن اختص الله الوهاب هذا الشهر بنزول القرآن الكريم الذي ختم به صرح النبوءات، وكان أول التنزيل ليلة القدر، تلك الليلة المباركة التي تعد أعظم ليالي الدهر. يقول جل وعلا في سورة القدر معظما لشأنها: إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ، لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ وفي سورة الدخان: إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ. فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ.

نزل القرآن الكريم في ليلة عالية القدر بما اختصها الله تعالى من فضل تنزل الملائكة والروح وتقدير المقادير وكتابة الآجال والأرزاق، ولما يحرص عليه العبد من جانبه من العبودية لمولاه صلاة وذكرا ودعاء وتلاوة للقرآن الكريم وطلبا للعلم النافع وسائر القربات، فينال فضل مضاعفة الأجر وبركة الأعمال إلى ما يربو عن أجر عبادة ثمانين عاما.

وفي سورة البقرة 10 أورد الله تعالى الحديث عن نزول القرآن مسبوقا بتشريع الصيام وملحوقا بالتوجيه إلى الإلحاح بالدعاء الذي يقبله الله تعالى المجيب القريب شرط الاستجابة لأمره والإذعان لحكمه. صيام زكى شهره ببركة تنزيل القرآن، ويعظم حال المؤمن فيه وفي غيره بالتوجه الصادق إلى الله تعالى بالدعاء لب العبادة ومخها، قال سبحانه مخاطبا المؤمنين: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ، أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ ۚ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۚ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ ۖ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ ۚ وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ، شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ ۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ۖ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۗ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ، وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ.

فيستقر في القلوب والأذهان أن التقوى غاية الصوم المرجوة، والتقوى الشرعية ترك المعاصي وإتيان الأوامر وهذه غاية ما أنزل الله من أجله كتابه: طاعته والتعبد له والاستجابة لأمره ونهيه، وكل ذلك شرط لإجابة الدعاء. وقد أشار في تحريره وتنويره الشيخ العلامة الطاهر بنعاشور لمعاني راقية وهو يفسر لعلكم تتقون: “بيان لحكمة الصيام وما لأجله شرع، فهو في قوة المفعول لأجله كُتب… والتقوى الشرعية هي اتقاء المعاصي، وإنما كان الصيام موجباً لاتقاء المعاصي… لأنه يُعَدِّل القوى الطبيعية التي هي داعية تلك المعاصي، ليرتقي المسلم به عن حضيض الانغماس في المادة إلى أَوج العالَم الرُّوحاني، فهو وسيلة للارتياض بالصفات الملكية والانتفاض من غبار الكدرات الحيوانية”. 

ورب سائل ييسأل: ما بال التنزيل المذكور في ليلة واحدة بيد أن كتاب الله نزل منجما؟ فيجيب عن ذلك حبر الأمة وترجمان كتابها ابن عباس رضي الله عنهما وغيره أن التنزيل المقصود حينما أنزل الله القرآن جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة من السماء الدنيا، ثم نزل مفصلا بحسب الوقائع في ثلاث وعشرين سنة على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولأصحابه ولمن بعدهم من أهل الله مع القرآن في رمضان أعمال وأوراد عمروا بها ساعاته ليلا ونهارا، هل من قطوف من بعض هذه الأوراد نستأنس بها ونشحذ بها عزائمنا في هذا الشهر المبارك؟

كان النبي صلى الله عليه وسلم دائم الصلة بالله تعالى، وثيق القرب منه جل وعلا يذكره ويناجيه ويعبده آناء الليل وأطراف النهار، وعلى نهجه سار من تربى في حجره المنيف من ذلك الجيل الفريد من الصحابة والصحابيات رضي الله عنهم وأرضاهم، ومن سلك دربهم واقتفى آثارهم من صالح السلف. فكان منهم من يختم القرآن الكريم في ثلاث بل في ليلة بل في ركعة كما فعل سيدنا عثمان رضي الله عنه، ما يمنعهم ذلك من تدبر آيه والوقوف عند أمره ونهيه. عن عطاء بن أبي رباح‏: “إن عثمان بن عفان صلى بالناس، ثم قام خلف المقام، فجمع كتاب اللَّه في ركعة كانت وتره فسميت بالبتيراء” 11، يتنافسون على الذكر والطاعات لا يكادون ينسون أو يغفلون، يحذرون أن يكونوا من أهل الغفلة والجحود المُتوعدين في قوله جل وعلا: وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ 12

فأثنى الله تعالى عليهم في قوله من سورة النور: رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ ۙ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ، لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ ۗ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ 13.

يسبحون الليل والنهار، تسبيحا 14 بمفهومه الشامل الكامل الذي يستوعب سائر العبادات القولية والفعلية والقلبية في إقبال تام على الله تعالى خالقهم. يستهترون بذكر الله تعالى لا يفترون.

إلا أن اجتهادهم في سائر العبادات كان أشد وأكبر في هذ الشهر الفضيل الذي كانوا يترقبون هلاله بشوق عظيم، وكانوا يخصونه بأحوالٍ اقتداءً بهدي الرسول صلى الله عليه وسلم، ومن ذلك ما جاءت به الأحاديث والآثار، فقد روى الإمام مسلم رحمه الله تعالى عن حذيفة رضي الله عنه وقد صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة في رمضان قال: “فقرأ بالبقرة ثم النساء ثم آل عمران لا يمر بآية تخويف إلا وقف وسأل، فما صلى الركعتين حتى جاءه بلال فآذنه بالصلاة” 15، وجاء في الأثر أن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها كانت تقرأ في المصحف أول النهار في شهر رمضان، فإذا طلعت الشمس نامت.

ورويت أحوال عن السلف الصالح فمنهم من كان شغله الشاغل في شهر الصيام القرآن وإطعام الطعام، ومنهم من كان لا ينام حتى يقرأ نصف القرآن، ومنهم من كان يختم القرآن كل يوم وليلة يدعو لألف إنسان، ثم يشتغل بالحديث الشريف، ومنهم من يختم في رمضان في النهار كل يوم ختمة، ويقوم بعد التراويح كل ثلاث ليالٍ بختمة، ومنهم من كان له في رمضان ستون ختمة يقرأها في غير الصلاة وغيرها كثير من الأحوال التي تدل على شدة الارتباط بكتاب الله تعالى دائما وفي شهر القرآن.

قد يعترض البعض على هذه الأحوال بنهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الختم في أقل من ثلاث، وتأتي الإجابة من الإمام ابن رجب في لطائف المعارف: “وإنما ورد النهي عن قراءة القرآن في أقل من ثلاث على المداومة على ذلك، فأما في الأوقات المفضلة كشهر رمضان خصوصا الليالي التي يطلب فيها ليلة القدر، أو في الأماكن المفضلة كمكة لمن دخلها من غير أهلها، فيستحب الإكثار فيها من تلاوة القرآن اغتناما للزمان والمكان” 16.

كان ذلك همهم في ترك تضييع الأوقات والاشتغال بالطاعات استجابة لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم: عن عبادة بن الصامت، أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، قال يوما، وحضر رمضان: “أتاكم رمضان شهر بركة، فيه خير يغشاكم الله فينزل الرحمة ويحط فيها الخطايا، ويستحب فيها الدعوة، ينظر الله إلى تنافسكم ويباهيكم بملائكته، فأروا الله من أنفسكم خيرا، فإن الشقي كل الشقي من حرم فيه رحمة الله”.

اللهم لا تحرمنا نوالك، ولا تمنعنا فضلك، واجعلنا فيه من المرحومين المعتوقين المغفور لهم، وانصر اللهم أمة الحبيب صلى الله عليه وسلم نصرا تاما مؤزرا، والحمد لله رب العالمين.


[1] سورة البقرة، الآية 185.
[2] أخرجه أحمد في مسنده حديث ‏16678.
[3] سورة البقرة، الآية 2.
[4] سورة البقرة، الآية 183.
[5] صحيح الجامع، رقم:3882.
[6] 2/172.
[7] سورة القيامة.
[8] سورة الفرقان، الآية 30.
[9] ص 102.
[10] الآيات من 183 إلى 186.
[11] تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر.‏
[12] سورة الحشر، الآية، 19.
[13] الآيتان، 36-37.
[14] قال الله تعالى في سورة طه: فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ومن آناء الليل فسبح وأطراف النهار لعلك ترضى. (الآية: 130) استدل الفقهاء رضي الله عنهم بهذه الآية على توقيت الصلوات الخمس.
[15] أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الصلاة، باب، استحباب تطويل القراءة في صلاة الليل حديث: 1783.
[16] لطائف المعارف، ص 246.