دستور الحقوق والحريات..

درج الخطاب الرسمي على نعت دستور 2011 بدستور الحقوق والحريات، لاعتبارين اثنين: الأول شكلي والثاني موضوعي؛ أما الاعتبار الشكلي فيجد سنده في بنية الدستور التي جعلت من باب “الحريات والحقوق الأساسية” أول باب بعد التصدير وباب الأحكام العامة، مما يوحي بأن هنالك إرادة قوية لدى واضعي الوثيقة الدستورية لتكون حقوق الإنسان وحرياته الأساسية ركيزة الدستور الحالي ومحوره المركزي. أما الاعتبار الموضوعي فتجسده الكثافة العددية للفصول التي اندرجت ضمن الباب الثاني، باب الحريات والحقوق الأساسية، فعلى امتداد 22 فصلا (من الفصل 19 إلى الفصل 40)، حَبُل دستور 2011 بصنوف الحقوق والحريات، همت الأجيال الثلاثة لحقوق الإنسان كما هي متعارف عليها كونيا، ومختلف المعاهدات الدولية ذات العلاقة بحقوق الإنسان عامة، أو بعض الفئات مثل المرأة أو الطفل أو ذوي الاحتياجات الخاصة وغير هذه الفئات.

هذان الاعتباران يجعلان قارئ الوثيقة الدستورية غير المستحضر لخلفية واضعها ورهاناته، وسياق وضعها، ومساقها في التنزيل والتطبيق، يرى أن دستور المغرب هو دستور حرية لا دستور سلطة؛ دستور دولة حق وقانون لا دستور شكليات على هامش الدولة السلطوية…

حكاية شهيد حق وحرية..

“عرفت مدينة أسفي كغيرها من المدن والأرياف المغربية انخراطا قويا لساكنتها في الحراك الشعبي الذي انطلق في بلدنا الحبيب بتاريخ 20 فبراير من سنة 2011، متأثرا برياح الربيع العربي ومستلهما حراكه ووهجه من التجربتين التونسية والمصرية.

وفي هذا السياق تألق أحرار مدينة أسفي وسجلوا تفاعلا متميزا مع المطالب الاجتماعية والسياسية المرفوعة من طرف نشطاء حركة 20  فبراير، الداعية إلى محاربة الفساد والاستبداد والمنادية بالتنمية الاقتصادية وتمثل المبادئ الديمقراطية والعدالة الاجتماعية.

حيث خرجت المدينة كغيرها من المدن الأخرى في عشرات من التظاهرات السلمية كانت من بينها المسيرة الاحتجاجية السلمية المنظمة عصر يوم الأحد 29 ماي 2011 بحي دار بوعودة، والتي شارك فيها مجموعة من نشطاء حركة 20 فبراير وكان من بينهم قيد حياته الشهيد كمال عماري، الذي دأب على المشاركة في جميع الأشكال النضالية المنظمة بالمدينة.

هكذا وبعد انتهاء المسيرة المعلومة، وبينما هو متوجه إلى عمله كحارس ليلي بميناء آسفي، فوجئ بسبعة أفراد من عناصر الأمن بزي مدني استفردوا به في شارع عبد الرحمن الوزاني المعروف بشارع دار بوعودة، وبعد الاشتباه في كونه كان من المشاركين في المسيرة، قاموا بضربه ضربا مبرحا وفي شتى الأماكن الحساسة وتمكن من الإفلات منهم والابتعاد لعدة خطوات، حيث لحقوا به من جديد، وقاموا بطرحه أرضا فأشبعوه ركلا وضربا بالهراوات بشكل عنيف وغير متحفظ وذلك لعدة دقائق، ليصاب بعدة كدمات في جميع أنحاء جسمه، كما قاموا بضرب وتهديد كل من حاول تخليصه منهم، ثم تركوه ملقى على الأرض. وبعد أن استجمع قدراته، رجع أدراجه إلى بيته. واتصل بزملائه في حركة 20 فبراير الذين بادروا لتصوير الإصابات التي تعرض لها وإلى الاستماع لشهادته في الموضوع. ونظرا لتفاقم حالته الصحية، فقد توجه بتاريخ 31/05/2011، إلى عيادة أحد الأطباء المختصين في جراحة العظام والمفاصل، الذي قام بفحصه، ووصف بعض الأدوية له، ثم عاد الشهيد ليراجع طبيبا آخر يوم 01/06/2011، ولتسلم له وصفة طبية ثانية.

لكن بحلول مساء يوم 01/06/2011، أصبحت حالته الصحية متدهورة جدا، مما استدعى نقله إلى مصلحة المستعجلات بالمستشفى الإقليمي بآسفي حيث فارق، رحمه الله، الحياة في صبيحة اليوم الموالي” 1.

الشهيد العماري يسائل منظومة حقوق الإنسان في الدستور.. 

من حق الشهيد كمال العماري رحمه الله أن يسائل الفصل العشرين من دستور دولة الحق والقانون: ما ذنب حياتي التي أزهقت وأنت الذي تنص على أن “لحق في الحياة هو أول الحقوق لكل إنسان. ويحمي القانون هذا الحق”، وأين هو هذا القانون الذي لم يستطع طيلة سبع سنوات أن يجيبني عن هذا السؤال؟

ثم أليس الفصل الواحد والعشرون من دستور العهد الجديد والمفهوم الجديدة للسلطة هو القائل: “لكل فرد الحق في سلامة شخص هو وأقربائه، وحماية ممتلكاته. تضمن السلطات العمومية سلامة السكان”؟  فهل السلطات التي حاصرت الشهيد جاءت لضمان سلامة شخصه ومع الإفراط في الحرص على سلامته تم قتله؟!

أما الفصل الثاني والعشرون فقد كان صريحا أكثر من سابقه حين أورد أنه “لا يجوز المس بالسلامة الجسدية أو المعنوية لأي شخص، في أي ظرف، ومن قبل أي جهة كانت، خاصة أو عامة”، كما أضاف الفصل ذاته: “لا يجوز لأحد أن يعامل الغير، تحت أي ذريعة، معاملة قاسية أو لا إنسانية أو مهينة أو حاطة بالكرامة الإنسانية، ممارسة التعذيب بكافة أشكاله، ومن قبل أي أحد، جريمة يعاقب عليها القانون”.

 فأي ذنب اقترفه الشهيد كمال العماري لتمس سلامته الجسدية، بل ليغتال جسده؟ ومن تكون الجهة الخاصة أو العامة التي يضرها تشبث كمال بحرية وحقوق شعبه حتى تلاقيه سوء العذاب خارج إطار الدستور والقانون؟ ولم تمت معاملته بهذه السادية في التعذيب والتنكيل؟ ولم بقي كل من شارك ماديا ومعنويا في “حفلة” تعذيبه واغتياله خارج دائرة محاسبة القانون الذي ختم به الفصل 22؟

ألم يكن نشاط كمال العماري رحمه الله وانتماؤه متماهيا مع الفصل 29 الذي أكد أن “حريات الاجتماع والتجمهر والتظاهر السلمي، وتأسيس الجمعيات، والانتماء النقابي  والسياسي مضمونة”؟

ولم لم يطبق القضاء “النزيه” ما جاء في الفصل 27 من دستور الحريات والحقوق فيريح عائلة الشهيد من ألم جهل الحقيقة بعد ألم سلب فلذة من فلذات كبدها؟ ولم كل هذا السكوت المريب من كل الجهات التي يطرقها أهالي الشهيد للحصول ولو على بصيص معلومة عن هوية قتلة كمال؟ ألم يقرأ الجميع الفصل 27 الذي يقول: “للمواطنين والمواطنات حق الحصول على المعلومات، الموجودة في حوزة الإدارة العمومية، والمؤسسات المنتخبة، والهيئات المكلفة بمهام المرفق العام.

    لا يمكن تقييد الحق في المعلومة إلا بمقتضى القانون، بهدف حماية كل ما يتعلق بالدفاع الوطني، وحماية وأمن الدولة الداخلي والخارجي، والحياة الخاصة للأفراد، وكذا الوقاية من المس بالحريات والحقوق الأساسية المنصوص عليها في هذا الدستور، وحماية مصادر المعلومات والمجالات التي يحددها القانون بدقة”.

تخمة الحقوق…

أكيد أن تخمة الدستور بفصول الحقوق والحريات، وحرصه على تزيين الفقرات بكل أصيل وجديد من صيحة حقوق الإنسان في العالم، لن تجدي في تبرير قتل الشهيد العماري، ولن تفلح السلطة في استدعاءها لقوانين الموضوع والمسطرة في إخفاء حقيقة مرة، وهي أن قتل العماري جريمة دولة لا تعير قيمة لإنسان بله للحقوق والقوانين والدساتير…

 وإلا فما جدوى تخمة الفصول إن لم يورد الدستور ولو إجراء واحدا يرتب آثارا فعلية عند خرق الحق الدستوري؟

قد لا ينصفك دستور السلطة يا شهيد لكن حتما سينصفك دستور الآخرة؟ وقد لا تأخذ لك عدالة المخزن حقك لكن حتما ستأخذه لك عدالة قضيتك.

[1] – 
 


[1] محمد النويني: حكاية شهيد.. محاولة لتأريخ قضية كمال عماري، مقال منشور في موقع “الجماعة.نت” بتاريخ 25 ماي 2017.