غزوة بدر الكبرى هي الفرقان والحد الفاصل بين حقبتين من تاريخ الإسلام، وبين زمنين فارقين من زمن النبوة، حقبة الضعف والاضطهاد والتجاهل والبحث عن الذات، وحقبة النصر والقوة والتمكين والاعتراف بالوجود.

انتصار المسلمين في بدر يوم 17 رمضان للسنة الثانية من الهجرة غير مسار الحياة الإسلامية، وأثبت أن “العصابة “التي قاتلت صناديد الكفر، وقتلت رموز الفساد والطغيان في مكة، العصابة التي دعا لها رسول الله صلى الله عليه وسلم  بالنصر والتمكين، والتي حققت العبودية التامة لله عز وجل، هي جديرة بأن تحمل لواء البناء والعمران، وأن تؤسس للمجتمع الإيماني الأخوي، مجتمع المحبة والتضحية والإيثار، الذي نشأ في المدينة المنورة، تحت سهر ورعاية وتوجيه خير البشرية، وإمام الرسل سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام، وهي التي ستنبعث من بعده لنشر رسالة الإسلام السامية، وتعاليمه السمحة في كل الربوع والأقطار.

كيف نقرأ الدرس ونتعلم منه، ونستفيد من الغزوة وأحداثها ومجرياتها وتداعياتها لنبني الأمة ونؤسس  للمستقبل الإسلامي الزاهر بإذن الله، مستقبل الخلافة الثانية الموعودة بعد ظلام العض والجبر؟

انتصار المسلمين ال 350 على صناديد قريش ومشركيها وطغاتها ال1000 لم يكن  اعتباطا أو منحة أو معجزة، بل تتويجا ونتيجة لسنوات طويلة تقارب ال15 سنة من البذل والعطاء والتضحيات، وبعد عمل مضن ومجهود جبار في  الليل والنهار، وبعد معاناة وصبر واقتحام للعقبات من قبل سيد الخلق عليه الصلاة والسلام وصحبه الكرام.

اهتم رسول الله صلى الله عليه وسلم بتربية الجماعة وإعدادها وتنظيمها وتأهيلها للجهاد في سبيل الله عز وجل منذ تسلمه الرسالة الخاتمة وتكليفه بالدعوة، عاملا على غرس الإيمان في النفوس، وذلك ببركة الصحبة التي تشربها من أمين الوحي جبريل عليه السلام، والتي بثها في قلوب صحابته رضوان الله عليهم جميعا، والصحبة هي مفتاح الترقي في شعب الإيمان ومقامات الإحسان والولاية والقرب من الله عز وجل، وهي مَعين لا ينضب ومُعين على العمل الصالح.

صحبة الصحابة لرسول الله، الذي كان قرآنا يمشي على الأرض بأخلاقه ومعاملاته وتعبده وزهده، وحكمته وحسن تصرفه، وتعلقه بالله عز وجل، وإقباله عليه، وحرصه على تميز أمته واستعلائها على الجاهلية، وتمثلها لتعاليم الدين الجديد، واستحقاقها للخيرية والتفضيل على باقي الأمم، صنعت منهم شموسا ونجوما منيرة، حققت البطولات التي رصعت صفحات التاريخ وزينتها عزا وكرامة وتلألأ.

توارث الأولياءُ، أمناءُ الرسل، هذا السر الإلهي النبوي العظيم “الصحبة”، هذا السراج المنير جيلا بعد جيل، يهتم الأمناء بغرس الإيمان والشوق والمحبة الإلهية في قلوب المريدين الواردين الراغبين في الخلاص والتزكية والقرب من الله عز وجل، فيسمون إلى المعالي ويترقون إلى أفضل المقامات وأعلى الدرجات، ويحققون الانتصارات تلو الانتصارات.

ونحن اليوم أحوج ما نكون لهذه الصحبة الإيمانية الإحسانية المؤهلة للقيادة الربانية التربوية والجهادية للاغتراف من النبع الصافي، نبع رسول الله والصحابة الكرام، وتحقيق النصر والعزة والكرامة للأمة الإسلامية، خير أمة أخرجت للناس.

وجود الولي المرشد، أمين سر النبوة، على رأس جماعة تائبة ذاكرة صادقة، باذلة عالمة عاملة متميزة عن الجاهلية والفتنة ثابتة في قصدها إلى الله، مجاهدة في سبيله، وصحبته وملازمته والتتلمذ عليه بصدق وتفان وإخلاص هو الشرط الأساس للتغيير النفسي والاجتماعي، حتى يتحقق موعود الله لعباده ويستحقون التمكين والنصر كما تحقق لجماعة الصحابة بقيادة رسول الله صلى الله عليه وسلم في بدر الكبرى.