أوجه البر في شهر الخير هذا، شهر رمضان، كثيرة، وأوجه الإحسان كبيرة، منها قراءة القرآن والصيام والقيام والإكثار من النوافل وغيرها من القربات، لكن لعل من أعظمها الإنفاق في سبيل الله، الذي تواترت الآيات والأحاديث الحاضة عليه المرغبة فيه، لما فيه من أجر عظيم وخير عميم للفرد والأمة. فمن ثمرات الإنفاق في سبيل الله تعالى دخول الجنة لقوله تعالى: وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين، والوقاية من النار، وتكفير الذنوب والسيئات والخطايا، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: “اتقوا النار ولو بشق تمرة”، ولقوله صلى الله عليه وسلم: “الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار”، ومن ثماره الطيبة أيضا تكثير الحسنات، ومضاعفة الأجور أضعافاً مضاعفة، يقول تعالى: مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم. كما أن الإنفاق بأوجهه الواجبة أو التطوعية طهارة للمنفق من النفاق، وتزكية لقلبه من حب الدنيا والحرص عليها، وتنمية للمال وتكثير له وضمان له من الآفات والمصائب، لقوله سبحانه وتعالى: خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها، كما أن الإنفاق مجلبة لمحبة الخلق ولدعوة الخير من الملائكة والناس أجمعين، فقد روى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي حديثا جاء فيه: “ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان، فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقاً خلفاً، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكاً تلفاً”.

وقد يوسع البعض مفهوم الإنفاق والبذل والعطاء ليشمل بذل العلم والجهد والقوة والخلق للناس، وكلها أوجه مطلوبة ومقبولة ومحمودة فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ألا أخبركم عن الأجود الأجود؟ الله الأجود الأجود، وأنا أجود ولد آدم، وأجودهم بعدي رجل علم علما فنشر علمه؛ يبعث يوم القيامة أمة واحدة، ورجل جاد بنفسه في سبيل الله حتى يقتل”. غير أنا نقصد في هذه المقالة إنفاق المال وبذل “متاع الدنيا الزائل من دراهم وريالات”، وسنرى كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم جوادا كريما؛ فعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: “كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن، فلرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة”.

ولنفهم كيف “كان أجود ما يكون في رمضان” ينبغي أن نفهم كيف “كان أجود الناس” ابتداء، فقد عجز الراوي وهو ترجمان القرآن وأحد بلغاء العرب فصحائهم أن يجد عبارة أجمع لوصف جوده من تشبيهه بـ”الريح المرسلة” لتتابعها واستمرارها وسرعتها دون تردد ولعمومها لسائر الناس، وكذلك كان، فقد شمل جوده البر والفاجر، والقاصي والداني، والمحسن والمسيء، والمحب والعدو، والغني والفقير، والعزيز والذليل، وسائر المخلوقات حتى قال الشاعر:

فإن من جودك الدنيا وضرتها ** ومن علومك علم اللوح والقلم

قال القاضي عياض رحمه الله في (فصل في معاني الجود والكرم، والسخاء والسماحة) من كتابه البديع (الشفا في التعريف بحقوق المصطفى): وأما الجود والكرم، والسخاء والسماحة فمعانيها متقاربة، وقد فرق بعضهم بينها بفروق، فجعلوا الكرم الإنفاق بطيب النفس فيما يعظم خطره ونفعه، وسموه أيضا حرية، وهو ضد النذالة، والسماحة: التجافي عما يستحقه المرء عند غيره بطيب نفس، وهو ضد الشكاسة، والسخاء: سهولة الإنفاق، وتجنب اكتساب ما لا يحمد، وهو الجود، وهو ضد التقتير. وكان صلى الله عليه وسلم لا يوازى في هذه الأخلاق الكريمة، ولا يبارى، بهذا وصفه كل من عرفه، حدثنا القاضي الشهيد أبو على الصدفي رحمه الله عن ابن المنكدر، سمعت جابر بن عبد الله يقول: “ما سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن شيء فقال: لا”. وعن أنس وسهل بن سعد مثله، وعن أنس “أن رجلاً سأله فأعطاه غنماً بين جبلين، فرجع إلى بلده، وقال: أسلموا، فإن محمداً يعطي عطاء من لا يخشى فاقة”. وأعطى غير واحد مائة من الإبل، وأعطى صفوان مائة ثم مائة ثم مائة، وهذه كانت حاله صلى الله عليه وسلم قبل أن يبعث. وقد قال له ورقة بن نوفل: إنك تحمل الكل وتكسب المعدوم، ورد على هوازن سباياها، وكانوا ستة آلاف، وأعطى العباس من الذهب ما لم يطق حمله. وحمل إليه تسعون ألف درهم، فوضعت على حصير، ثم قام إليها يقسمها، فما رد سائلاً حتى فرغ منها. وجاءه رجل، فسأله فقال: “ما عندي شيء ولكن ابتع علي، فإذا جاءنا شيء قضيناه”، فقال له عمر: ما كلفك الله ما لا تقدر عليه، فكره النبي صلى الله عليه وسلم ذلك. فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله، أنفق ولا تخف من ذي العرش إقلالاً. فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم، وعرف البشر في وجهه، وقال: “بهذا أُمرت”. ذكره الترمذي. وذكر عن معوذ ابن عفراء، قال: “أتيت النبي صلى الله عليه وسلم بقناع من رطب ـ يريد طبقاً، وأجر زغب ـ يريد قثاء، – قليل من التمر والفكوس – فأعطاني ملء كفه حلياً وذهباً”، وقال أنس: “كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يدخر شيئاً لغد”، وعن أبي هريرة: “أتى رجل النبي صلى الله عليه وسلم يسأله، فاستسلف له رسول الله صلى الله عليه وسلم نصف وسق، فجاء الرجل يتقاضاه، فأعطاه وسقاً، وقال: نصفه قضاء ونصفه نائل”.

فمن كان هذا هديه قبل بعثته وبعدها وفي غير رمضان، كيف يكون هديه في رمضان؟ لاشك أكبر من أن تحيط به العقول والأوصاف والمعاني فكما قال المتنبي:

وَقد وَجدتَ مكانَ القَوْلِ ذا سَعَةٍ ** فإنْ وَجَـدْتَ لِسـاناً قائِلاً فَقُلِ

ولما كنا مأمورين بالاقتداء به صلى الله عليه وسلم شرعا ومحبة، وجب إحياء هذه السنة في هذا الشهر الفضيل بمضاعفة الصدقات والأعطيات، ووصل المحرومين والفقراء والمحتاجين واليتامى والأرامل والإنفاق عليهم من مال الله – رغم قلة ذات اليد ورغم الحاجة – ويتوجب ذلك في حق الأقرب فالأقرب من الإخوة في الله والجيران والأقارب وذوي الأرحام وعامة المسلمين، فكيف تجيب – وأجيب – الله تعالى إن سألنا يوم القيامة: عبدي، بات جارك فلان جائعا ولك فضل طعام، وبات أخوك فلان مريضا بلا دواء ولك فضل مال، وبات قريبك فلان وما معه ما يؤدي به ثمن الماء والكهرباء، وباتت أختك فلانة وما معها ما تسكت أو تفرح به العيال؟

لم يحملنا النبي الرحيم ما لا نطيق فقد قال صلى الله عليه وسلم: “اتقوا النار ولو بشق تمرة”، وضمن لنا زيادة المال: “ما نقص مال من صدقة”، وتعهد لنا بالخلف والوقاية من التلف: “اللهم أعط منفقا خلفا”، فدع عنك الحسابات، والبدار البدار في شهر الخيرات والمبرات، فالله أكرم وعطاؤه أعظم، فلا تحرما نفسيكما، أخي المسلم أختي المسلمة، مائدة الرحمان، أكرما تُكرما، أعطيا تُعطيا، صِلا توصَلا، والزما إخلاص النية لله تعالى، والاحتياط من المن والأذى، واحرصا على الإنفاق من الطيب فالله طيب لا يقبل إلا طيبا.