شاءت حكمة الله سبحانه وتعالى أن يجعل من رمضان في صدر الدولة الإسلامية شهر جهاد أصغر وأكبر وعمل دائب يصل الليل بالنهار ليبعد عن الأذهان أن الصوم يستلزم الراحة والكسل. فهناك من قصار البصر والبصيرة من يعتقد أن شهرَ رمضان شهرُ فترةٍ يخلد فيه المسلمون إلى الكسل ويعتري عزائمهم الفتور والضعف.

ولعل هذا الشهر قد اختصه الله كذلك من حيث وضعه الزمني بخصائص لا تكاد تجتمع بل لا تكاد تدرك إلا في هذا الشهر. ثم جعلها المولى سرا من أسراره، وخاصة من خواصه؛ فللشهر العظيم سر وللصوم فيه معنى يدركه الذين تجردوا عن شهواتهم وكبتوا كل رغباتهم ونزواتهم في سبيل الله حتى صارت رائحة أفواههم أطيب عند الله من ريح المسك.

ونحن في هذا المقال بإذن الله تعالى نعرض للمسلمين شهر رمضان ونطوف معهم فيه بمواكب النصر التي حققها الصائمون فيه، ونكشف لهم سر التربية الإيمانية التي تربى عليها الرعيل الأول رضوان الله تعالى عليهم في مدرسة النبوة الخالدة بين يدي المربي سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. هذه التربية التي قهرت الأحداث والأعداء وخلقت في جسد الأمة الإسلامية روحا وثابة تصل إلى غاياتها في عزة الصائمين وكرامة المؤمنين.

باستعراض حادثتين كبيرتين، وموقفين حاسمين في صدر الإسلام نجد أن المولى جل جلاله عندما يشاء النصر لأوليائه يختار لهم الزمان والمكان ليحقق الوعد الذي وعد والنصر الذي يرفع به هامات أوليائه وينشر به دينه ويؤيد به الحق الذي جاء على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم.

موقعة بدر

كان الزمان الذي دبَّرته العناية الإلهية لمعركة بدر شهر رمضان حيث كان كل مسلم في عبادة روحية وإيمانية لا يشوبه فيها رياء ولا يفارقه فيها الإخلاص.

موقعةٌ لم يحدد المسلمون المؤمنون زمانها ولا مكانها ولكن الله هو الذي حدد الميعاد فقال لنبيه: وَلَوْ تَوَاعَدتَّمْ لاَخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَـكِن ليَقْضِيَ اللّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً الأنفال، 42. من أجل ذلك لم تكن منزلة موقعة بدر بين حوادث التاريخ أنها معركة حربية انتصر فيها فريق على فريق، أو لأنها انجلت عن عدد من القتلى وجملة من الأسلاب، فكم من معارك حربية كان حصادها من القتلى آلافا ومن الأسلاب والغنائم ما لا يخطر على بال. وإنما أخذت موقعة بدر مكانها في التاريخ – بزمانها الذي أُقِّت لها ومكانها الذي التقى فيه طرفاها – لأنها قلبت الميزان السياسي والاجتماعي والاقتصادي في جزيرة العرب، وانتزعت السيطرة من اليد التي كانت فيها ووضعتها في يد الصفوة المنتصرة من المؤمنين.

وأصبح الزمان كله من يومها مدينا لهذه الغزوة لأنها وضعت أساس دولة جديدة على أنقاض نظام منهار، وسارت بركب الإنسانية في طريق الهدى والنور، ولقنت العالم كله مبادئ لا تزال خالدة ليومنا هذا بل لم تكن لتخطر لأحد من البشر على بال.

وكان المكان بدرًا بين العدوة الدنيا والعدوة القصوى، وكان موقف المؤمنين بالعدوة الدنيا حيث كانت الأرض ثابتة تحت أقدام الصائمين وكان الماء تحت سيطرتهم وحدهم وكان مكان رسول الله صلى الله عليه وسلم على شُرف عال يدير منه المعركة ويتلقى توجيهات ربه الذي يدبر له الموقعة ويتولى عنه دحر أعدائه الذين اعتزوا بكثرتهم ويسجل عليهم الخزي أمام العالم كله على مر السنين.

زمان ومكان مختاران في شهر مبارك كما أراد خالق الزمان والمكان جل وعلا. فيهما مَنَّ الله على المؤمنين بالنوم قبل الموقعة وأنزل عليهم مطرا طهرهم به وأذهب عنهم رجس الشيطان ووطَّأ لهم به أكناف الأرض وصلَّب به الرمل وثبَّت به الأقدام؛ قال تعالى: إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السَّمَاء مَاء لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ الأنفال، 11.

ضراعات إلى الله من أفواه الصائمين المعطرة بخلوف الصيام، واستغاثات من المؤمنين الذين هم في طاعة مولاهم منطلقين إلى رضا رسول الله صلى الله عليه وسلم دونما تبرم أو كلل، يقدمون أرواحهم فداء للنداء الموجه إليهم من ربهم: وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتِيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ الأنفال، 7. فما أسرع ما استجاب الله دعاءهم بقوله: أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُرْدِفِينَ الأنفال، 9، كما أوصى تبارك وتعالى المدد الملائكي: أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرَّعْبَ فَاضْرِبُواْ فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ الأنفال، 12.

ثم يبالغ المولى الكريم في نصرة الصائمين وإمدادهم بإمكانات النصر كلها بعدما تبين تقواهم وصبرهم وطهارة قلوبهم بالحرمان من شهوات نفوسهم وجهارة أصواتهم بالدعاء والضراعة إليه، فقال لرسوله وحبيبه صلى الله عليه وسلم في حومة الوغى واشتداد المعركة: إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَن يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُنزَلِينَ بَلَى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَـذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُسَوِّمِينَ آل عمران، 124-125.

من سياق هذه الآيات تتبين عناية الله بالصائمين المجاهدين في بدر رغم قلة العدد، فلقد سموا بأرواحهم، وجردوا أنفسهم من المادة بصيامهم فلم تعد شيئا في أعينهم، وطاروا بقلوبهم في عوالم التسليم والرضا بعد أن رأوا بأعينهم منازلهم في الجنة ورأى رسول الله صلى الله عليه وسلم مصارع الكفار في المعركة ومواضعهم في النار.

ومن منازل القرب من الخالق تبارك وتعالى منزلة الشعور بالذل والإحساس بالضعف؛ فمتى ذل العبد بين يدي ربه وهبه العزة على خصومه وذلك وصف القرآن للمؤمنين: أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ المائدة، 54.

ومن أجل هذا الذل الذي هو مقدمة العز وعلامة النصر، قال الله لأهل بدر الصائمين في المعركة، الخاشعين في العبادة، الأذلاء في الضراعة، وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ آل عمران، 123.

وأيُّ إكرام أعلى من ترتيب المولى جل وعلا لمواكب النصر في شهر رمضان المبارك وفي الموقعة الأولى بين أوليائه وأعدائه؟ أي إكرام أجل وأكبر بعد أن كانت عناية الله بأهل بدر واضحة في إمداده أَحِبَّاءَهُ بألف من الملائكة مُرْدِفين ثم بثلاثة آلاف من الملائكة مُنْزَلين ثم بخمسة آلاف من الملائكة مُسَوِّمين؟

إن اختلاط الملائكة بالمؤمنين في موقعة بدر لم يتم إلا بعد أن تجرد المؤمنون من سيطرة المادة وإغراء الشهوات، وارتفعوا بأرواحهم إلى صفوف الملائكة الذين وجدوا في طهارة روحهم، وفي مهارة رميهم ما جعل الضربات يلتقي بعضها ببعض حتى كان يكفي المؤمن أن يحرك سيفه فتُجهِزُ الملائكة على خصمه فإذا بالرؤوس تتطاير وإذا بالصفوف تنهار ولم يُدرَك السر إلا بعد أن أعلن الله سبحانه وتعالى مشاركة الملائكة لهم في المعركة.

فتح مكة

من يمن هذا الشهر، ومن طهر الصائمين فيه، ومن سمو الروح عن ثَقَالة الطين تمَّت في هذا الشهر أحداث كبرى وأعمال جليلة اكتسب فيها المسلمون النصر والظفر على أعداء الله وأعدائهم ببذل المهج عبادةً لله وطلبا للشهادة وإحساسا بحلاوة الجهاد في سبيل الله.

لم تكن مجرد الصدفة هي التي جعلت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج بكتائب الإسلام وجنود الرحمن في رمضان من العام الثامن للهجرة ويقرر في نفسه عزما أكيدا على فتح مكة؛ هذا الفتح الذي أعز الله به دينه ورسوله وجنده وحزبه الأمين، واستنقذ به بلده وبيته الذي جعله مهوى أفئدة الناس أجمعين.

هذا الفتح الذي استبشر به أهل السماء ودخل الناس به في دين الله أفواجا وأشرق وجه الأرض وزحفت جحافل الجيش الصائم لتدعو بسحرها وسرها أقواما ضالين إلى هداية الإسلام.

تحركت الجموع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة في الحادي عشر من رمضان وفي قلوبهم التيمن بالشهر الكريم، وفي نفوسهم الأنس بعبادة الصوم، فكانوا كلما أَغَذُّوا السير وتقدموا، انضم إليهم من سائر القبائل من يزيد في عددهم ومَنَعَتِهم وسار على رأسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يفكر في دخول البيت الحرام في شهر الصيام.

وبلغ الجيش “مرّ الظهران” قرب مكة وقريش لا تعلم شيئا عن هذا الجيش الجرار. وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالفطر من شدة الحر. وهناك في “مر الظهران” أخذت طلائع الراغبين في الإسلام تستقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم في جيشه معلنة إسلامها. وكان للعباس بن عبد المطلب رضي الله عنه دور كبير في التمهيد لفتح مكة وتحقيق رغبة رسول الله صلى الله عليه وسلم في أن يتم الفتح بسلام من غير اصطدام أو إراقة دماء.

وبعد تفريقه صلى الله عليه وسلم للجيش إلى مجموعات تدخل مكة من كل مداخلها دفعة واحدة، نزل عليه الصلاوة والسلام بالحجون على مقربة من قبر خديجة رضوان الله عليها وعمه أبي طالب وضربت له قبة هناك، فلما سئل أيريد أن يستريح في بيته قال “كلا فما تركوا لي في مكة بيتا”. ثم أجال بصره الشريف في جبال مكة وشعابها ومنازلها المبعثرة هنا وهناك وفي البيت الحرام الذي يقع من مكة في وسطها، فلما وضحت في ذهنه هذه الصورة ترقرقت في عينه دمعة الشكر العميق للمولى سبحانه وتعالى ممزوجة بلذة النصر الذي حققه له ربه. ركب من فوره ناقته القصواء وسار بها في مدارج صباه، حتى بلغ الكعبة فطاف بها سبعا على راحلته يستلم الركن بعصا في يده. فلما قضى طوافه دعا عثمان بن طلحة ففتح الكعبة ووقف هو صلى الله عليه وسلم عند بابها واضعا يديه على عِضَادَتَيِ الباب ثم قال: “لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ، صَدَقَ وَعْدَهُ وَنَصَرَ عَبْدَهُ وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ”. ثم تكاثر الناس من حوله حتى امتلأ بهم المطاف فتلا عليهم قوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ الحجرات 13. ثم قال: “أَلَا وَإِنَّ كُلَّ مَأْثُرَةٍ كَانَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَإِنَّهَا تَحْتَ قَدَمَيَّ اليَوْمَ، إِلَّا مَا كَانَ مِنْ سِدَانَةِ الْبَيْتِ وَسِقَايَةِ الْحَاجِّ. يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ وَيَا أَهْلَ مَكَّةَ، مَا تَرَوْنَ أَنِّي فَاعِلٌ بِكُمْ؟ قَالُوا: خَيْرًا أَخٌ كَرِيمٌ وَابْنُ أَخٍ كَرِيمٍ. ثُمَّ قَالَ: اذْهَبُوا فَأَنْتُمُ الطُّلَقَاءُ” 1.

هكذا فتحت مكة أبوابها للمسلمين الصائمين، ولكنها حين رأت من رسول الله صلى الله عليه وسلم سماحته ونبله وكرم أخلاقه فتحت له قلوبها فكان هذا الفتحُ أجلَّ وأعظم من أن تَبلغه سيوف المسلمين إذا كان اعتمادهم على السيوف وحدها، فلانت قلوب ما كانت لتلين، وتأثر قساة القلوب وغلاظ الأكباد بمبادئ الإسلام القويمة السامية.

على هذا فإن السر المكنون الذي يجمع بين بدر الكبرى وفتح مكة هو رمضان شهر الصيام.


[1] تاريخ الطبري، ج 3، ص 31، ط الأولى، 1985-1405، دار عز الدين، بيروت.