إن في كل عبادة شرعها الله عز وجل ما فيها من حكم بليغة وفوائد جمة ومعاني سامقة وأسرار كبيرة. حكمٌ وفوائد ومعانٍ وأسرار تسلك بالمؤمن والمؤمنة المطيعين المجتهدين سبل سعادة الدنيا والآخرة، وتطبب روحهما قبل جسدهما، وتهذبه أخلاقهما وسلوكاتهما، وباختصار شديد تجعله عبدا لله، وتجعلها أمة لله عز وجل.

ولهذا كان لا بد لكل طاعة ولكل عبادة ولكل عمل من نية تصدق الطلب، وتحقق الإخلاص، وترسخ اليقين في الله تعالى، وتسلم أن كل ما فرضه الله عز وجل من عبادة يحمل أسرارا فردية وجماعية، روحية وجسدية، دنيوية وأخروية، قلبية وعقلية، وجدانية وسلوكية.

ويعتبر الصوم عامة، وصوم رمضان خاصة، من أجل العبادات أسرارا، وأعظمها أثرا على الفرد والمجتمع، على القلب والنفس، على الشعور والسلوك. فالصوم فريضة دينية، وحكمة طبية، وتربية روحية، وتزكية نفسية، ومدرسة اجتماعية، ومحطة جهادية، قال الله عز وجل في سورة البقرة شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ.

 شهر عظمه الله عز وجل بنزول القرآن، وزاده تعظيما بشعيرة الصيام، التي تعيد صياغة البشرية وترجعها إلى فطرتها السوية نفسا وبدنا، إيمانا وسلوكا، وتحرر الإنسان من نوازع الشر والشيطان والهوى والشهوة والقعود والخمول، ولنا في الرعيل الأول من المؤمنين خير شاهد على نوعية الرجال الذين صاغهم الصيام، ونوعية الأمة التي تخرجت من مدرسة رمضان.

مدرسة سنوية عظمى هي مدرسة رمضان، تجدد للفرد روحانيته وتربطها بمصدر روحه وهو الله عز وجل، وتبعده عن منغصات سعادته، واعوجاج فطرته، وهلاك بدنه، وانحراف عبادته. ورمضان مدرسة اجتماعية أيضا للإحساس بالجوعى والفقراء ومواساتهم، والتصدق عليهم تحقيقا للقصد النبوي في الحديث الشريف “مَثَلُ المؤمنين في تَوَادِّهم وتراحُمهم وتعاطُفهم: مثلُ الجسد، إِذا اشتكى منه عضو: تَدَاعَى له سائرُ الجسد بالسَّهَرِ والحُمِّى” (رواه البخاري ومسلم عن النعمان بن بشير).

وهو أيضا مدرسة للأمة لإعادة  شحنها بطاقات ظاهرة وباطنة، مادية ومعنوية، ويغذيها عن طريق الصيام الذي هو لون من الحرمان بما يكفيها لعام كامل كوقود دافع يعينها على سعيها نحو الكمال، ويجعلها قادرة من جديد على حمل الأمانة وتبليغ الرسالة الإلهية إلى الكافة دعوة وسلوكا، ويحفزها إلى الوعى بقدرها وحقها وواجباتها بوصفها خير أمة أخرجت للناس تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر.

ومن أعظم أسرار رمضان، هذا الحبل الممدود بين السماء والأرض الذي شرف الله به رمضان، وهو أن اختاره ليكون ظرفا زمنيا لآخر وحيه، ونهاية لرسالاته، ومشرقا لنوره الذي عم الدنيا ولامس قلوبا غلفا وعقولا جاحدة ونفوسا عليلة وإرادات هابطة، فأخرج من ذلك جيلا جديدا من الإنسان العابد لله حق عبادته، ونمطا جديدا للحياة يتفق وفطرة الإنسان، ونوعا آخر من العلاقات الاجتماعية المرتكزة على حب الآخر، والإحسان إليه، وسد حاجته، والتآلف معه، فيكون المجتمع مثل البنيان المرصوص. فعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا“، وشبك صلى الله عليه وسلم بين أصابعه الشريفة (رواه البخاري).

ورمضان أيضا مدرسة العبودية الكاملة لله عز وجل، فكل شيء يدفع الصائم إلى عصيان أمر ربه من طعام وشراب وشهوات وملذات، ولا يحبسه عن كل ذلك إلا تعظيمه لأمر الله عز وجل، وابتغاء مرضاته، واتقاء سخطه وعقابه، ولذلك استحق الصوم ما قاله فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: “قَالَ اللَّهُ: كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلاَّ الصِّيَامَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ”. رواه البخاري). وفي هذا الامتثال رغم القدرة على المعصية، درجة من درجات الإحسان التي جاءت في الحديث العظيم المشهور، حديث جبريل عليه السلام عندما سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الإحسان، فأجابه صلى الله عليه وسلم: “الإِحسَانُ أن تَعبُدَ اللهَ كَأنَّكَ تَراهُ ، فإنْ لمْ تَكُنْ تَراهُ ، فَإِنَّهُ يَرَاكَ” (رواه البخاري ومسلم).

وفي الصوم كذلك تدريب وتكوين في مادة الصبر والمصابرة والمرابطة في سبيل الله؛ فتحمل شظف العيش وقلة المأكل والمشرب، ومقاومة سلطان العدو الداخلي، عدو النفس وشهواتها، كان أقدر على تحمل ضرورات الجهاد ومواجهة الأعداء.

ورمضان مدرسة لتعلم شكر النعم، لأنه تدريب على لحظة زوالها، فيحس الصائم بفاقدي نعم كثيرة، نعمة الرزق، نعمة الطيبات، نعمة صحة البدن، نعمة الغنى، وغيرها كثير من النعم التي يذكرنا رمضان بضرورة شكر نعم الله علينا؛ بأن يسَّر لنا أسباب المعاش وقوام الحياة، وفي الوقت نفسه يتذكر الصائم أخاه المحروم؛ فيجود عليه بالصدقة التي تسد جوعته، ويكسو بها عورته.

ومدرسة رمضان مدرسة تعلم سياقة! نعم؛ بتحرير المقود من النفس الهابطة الحابطة التي تقود الإنسان إلى حوادث قتله المعنوي، وجرحه في إيمانه، وإعادة المقود إلى الروح التي ستحلق به قائدة إلى معالي الإيمان وذرى الإحسان، لحاقا بالأنبياء الأصفياء، والأولياء الأتقياء، والمحسنين المجاهدين…

دروس مدرسة رمضان كثيرة وعديدة وأنى لمقال متعجل مستعجل أن يحصرها، ولتلميذ خجول الاجتهاد مقصر في الإقبال أن يحدث عنها. وإن أعظم رزية أن يمر موسم مدرسة رمضان الذي لا تتجاوز أيامه ولياليه الثلاثين، ولا تجد نفس نفسها ضمن النفوس الفالحة، ولا تجد روح روحها مع الأرواح المعتقة من النار، وإياك أعني اسمعي يا جارة!