السياق العام لاحتجاجات حركة 20 فبراير بالمغرب

شرارة البوعزيزي

انطلقت شرارة الغضب الشعبي العربي في تونس ضد نظام بن علي من عمق التهميش والتفقير والقهر في مدينة صغيرة مغمورة هي مدينة سيدي بوزيد، على يد شاب بسيط هو محمد البوعزيزي الذي أضرم النار في جسده احتجاجا على مصادرة السلطات التونسية لعربته التجارية مصدر رزقه الوحيد وصفعها له، وما لبثت شرارة الاحتجاجات أن انتشرت في المدينة الصغيرة، ومنها إلى باقي المدن التونسية مطالبة بمحاسبة الجناة وبرحيل الفساد والاستبداد الجاثم عقودا فوق صدر التونسيين.

وقد تزامنت شرارة الاحتجاجات في تونس مع ذروة الفساد والاستبداد في الأنظمة العربية من جهة، ومع واقع البؤس والتهميش والتذمر غير المسبوق لشعوب أنهكها الفقر والقهر وقلة ذات اليد من جهة أخرى، لتشتعل بذلك الشرارة من جسد البوعزيزي في هشيم أنظمة الفساد والاستبداد العربي الواحد تلو الآخر.

الربيع المغربي… الشعب يريد إسقاط الفساد و الاستبداد

لم يكن النظام المخزني المغربي استثناء من قاعدة الفساد والاستبداد المستشري في جسد الأمة من المحيط إلى الخليج، إذ عانى المغاربة، ولا يزالون، من قهر وظلم وتجبر نظام متسلط التهم الأخضر واليابس واحتكر كل خيرات البلد لنفسه تاركا الفتات للشعب المقهور، نظام حكم ويحكم المغاربة بيد من حديد لقرون خلت. ولم يكن المغاربة استثناء من ركب الأحرار نحو غد التحرر والانعتاق من ربقة استبداد النظام الجبري العربي، فانخرطوا بقوة في ركب الاحتجاجات في هبة شعبية هيأها القدر الإلهي في ربيع مغربي انطلق في ال20 من فبراير 2011 في مختلف المدن المغربية، وشاركت فيه مختلف فئات وأطياف الشعب المغربي يدا واحدة في حركة احتجاجية شعبية موحدة تحت شعار: الشعب يريد إسقاط الفساد والاستبداد.

وكانت جماعة العدل والإحسان من السباقين إلى الاستجابة لنداء شباب حركة 20 فبراير منذ اليوم الأول، وانخرط شباب الجماعة بقوة في ركب الاحتجاجات انخراطا مسؤولا وجديا إلى جانب فئات الشعب المغربي المقهورة. وتوالت الاحتجاجات بشكل حضاري، وانتشرت في مختلف ربوع الوطن الأسير محافظة على السلمية رغم المحاولات الدنيئة لقوى المخزن المغربي لاستدراجها إلى مستنقع العنف من أجل القضاء عليها في مهدها.

ولم يطل صبر المخزن المغربي كثيرا، كما لم تتسع حويصلته المخنوقة لسماع أنين المقهورين وصراخ المظلومين الطامحين في غد أفضل والحالمين بوطن أرحم لكل أبنائه، فسارع إلى مواجهة المحتجين بقمع غير مسبوق تناغمت حدته ومزاج الجلاد المخزني من مدينة لأخرى.

السياق الزماني والمكاني لجريمة الاغتيال

مدينة أسفي… أيقونة الحراك بمنطقة عبدة

التحقت مدينة أسفي مبكرا بركب الاحتجاجات المطالبة برحيل الفساد والاستبداد المخزني، وانخرط شبابها بقوة كبيرة وبحماسة على غرار شباب مختلف مدن ومناطق الوطن المقهور وربوعه، على حذو الشباب التونسي والمصري أملا في غد الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية.

وقد عرف عن أحرار وحرائر مدينة أسفي صمودهم البطولي ودفاعهم المستميث عن حقوقهم العادلة في مغرب يتسع لجميع أبنائه، وكذا انضباطهم والتزامهم المسؤول بالمطالب السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي رفعها شباب ونشطاء حركة 20 فبراير في عموم البلد الحبيب، الداعية إلى إسقاط الفساد والاستبداد، والمطالبة بتنمية اقتصادية حقيقية وشاملة تنتشل المواطن البسيط من براثن الفقر والقهر والتهميش والبطالة، والمنادية بإصلاحات سياسية واسعة تلبي طموحات الشعب المغربي وآماله وتضمن الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية لكل المغاربة بعيدا عن الاصطفافات الحزبية الضيقة والمزايدات السياسية الفارغة والنفاق السياسي المخزني الرسمي.

من هو كمال عماري؟

كان كمال شابا خلوقا دائم الابتسامة وقليل الكلام، شابا يحب الخير للناس وذا طموح كبير في الحياة، نشأ وترعرع بين أحضان طبيعة دوار الساهل ضواحي مدينة أسفي، والتحق بصفوف فصيل طلبة العدل والإحسان مناضلا من داخل هياكل الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، مدافعا عن حقوق الطلاب ومتهمما بقضايا الأمة. وقد عرف عنه نبله وصدقه واجتهاده في التحصيل العلمي. حصل كمال على الإجازة في الفيزياء ليصطدم كغيره من باقي شباب المدينة الغنية بواقع البطالة وسراب المستقبل الكالح.

المسيرة السلمية ليوم الأحد 29 ماي 2011

دأبت مدينة أسفي على الخروج كل يوم أحد في حراك احتجاجي سلمي يطالب برد الاعتبار لمدينة غنية بثروة سمكية، والتي تحتضن مصنعا للفوسفاط يذر ملايير الدولارات تتلقفها جيوب الفاسدين تاركة المدينة وشبابها غارقة في أوحال الفقر والبطالة والمخدرات. إذ خرجت المدينة عن بكرة أبيها في عشرات المظاهرات منها المسيرة السلمية ليوم الأحد 29 ماي 2011 التي انطلقت من حي دار بوعودة في وسط المدينة والتي عرفت مشاركة مكثفة من قبل شباب المدينة وشيبها. ولم يتردد الشهيد كمال عماري في الحضور وهو الذي لم يتخلف عن شكل من الأشكال الاحتجاجية التي عرفتها المدينة، شأنه في ذلك شأن باقي شباب المدينة الذي وجد في الحراك العشريني ما يتناغم وأحلامه وطموحه في الحياة، وما ينفس عنه شدة اختناق الواقع المرير وضبابية المستقبل المجهول.

وقد قوبلت المسيرة السلمية بقمع شديد من قبل عناصر أجهزة الأمن العمومي بشتى تلاوينها مما أدى إلى تفريق المتظاهرين السلميين. وبينما كان الشهيد كمال عماري راجعا رفقة بعض زملائه من نشطاء الحراك بعد فض المسيرة السلمية، اعترض طريقه سبعة من أفراد الأمن العمومي بزي مدني واستفردوا به في شارع عبد الرحمان الوازني المعروف بشارع دار بوعودة لينهالوا عليه ضربا بالهراوات بشكل هستيري ومبرح في شتى مناطق جسمه النحيف وهم يتقاذفونه فيما بينهم، وطرحوه أرضا بعدما أشبعوه ركلا ورفسا بشكل عنيف مما أدى إلى إصابته بعدة كدمات في شتى أنحاء جسمه، وتركوه ملقى على الأرض منهك القوى غارقا في آلامه.

استجمع كمال قواه، ورجع أدراجه إلى بيته البسيط بعدما قام زملاؤه بتصوير كدماته والاستماع إلى روايته في الواقعة. لم يجرؤ الشهيد على التوجه لأحد المستشفيات العمومية خوفا من الاعتقال، واكتفى بالمكوث في حضن أمه وأبيه علهما يخففان عنه من آلامه التي كانت تتضاعف حينا بعض حين.

كمال… يرتقي شهيدا

مكث كمال ثلاثة أيام في بيته مع عائلته يتجرع آلام الركل والرفس والضرب ومرارة الظلم الذي تعرض له، ولم يكن يأخذ سوى بعض المهدئات البسيطة مما أدى إلى تدهور حالته الصحية مساء يوم الأربعاء 01 يونيو 2011، الشيء الذي استدعى نقله على وجه السرعة إلى مصلحة المستعجلات بالمستشفى الإقليمي لأسفي، ليرتقي شهيدا رحمه الله زوال اليوم الموالي الخميس 02 يونيو 2011 على الساعة الثانية زوالا متأثرا بالجراح والكدمات الخطيرة التي تعرض لها على مستوى الرأس والعين والركبة من قبل أفراد الأمن العمومي.

جنازة الشهيد إلى مثواه الأخير

حج عشرات الآلاف من سكان مدينة أسفي ومن نشطاء حركة 20 فبراير من مختلف مدن المغرب إلى مستودع الأموات بمستشفى محمد الخامس، ليزفوا ابنهم وأخاهم ورفيق دربهم الشهيد كمال عماري إلى مثواه الأخير. وانطلقت الجموع على الساعة الثالثة والنصف من زوال يوم السبت 04 يونيو 2011 في موكب تشييع مهيب جاب معظم شوارع المدينة بدءا بشارع كيندي ثم طريق المطار مرورا بحي الكورس وحي الزاوية وحي دار بوعودة وحي القليعة، وصولا إلى حي كاوكي، حيث تمت صلاة الجنازة بمسجد السلام لينقل بعدها الشهيد إلى مثواه الأخير. وقد شارك في الموكب، إلى جانب أفراد عائلة الشهيد وأصدقائه ونشطاء حركة 20 فبراير، شخصيات سياسية وحقوقية وإعلامية من بينهم أعضاء من مجلس إرشاد جماعة العدل والإحسان وممثلون عن الجمعية المغربية لحقوق الإنسان ومنظمة الوسيط لحقوق الإنسان والائتلاف المغربي لحقوق الإنسان.

اغتيال كمال… جريمة دولة العهد الجديد

أجمعت جل المنظمات الحقوقية على أن جريمة اغتيال كمال عماري هي جريمة دولة مكتملة الأركان، وانتهاك صارخ لحقوق المواطن المغربي في التظاهر السلمي، وتراجع خطير لمؤشرات حقوق الإنسان في بلدنا الحبيب. إذ أصدر المرصد المغربي للحريات العامة والوسيط من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان تقريرا مفصلا يتهم فيه عناصر الأمن العمومي بقتل الشهيد كمال عماري، ويتهم الدولة ووزارة الداخلية بالإفراط في استعمال القوة ويحملها المسؤولية في قتل شاب طالب بشكل سلمي بتحسين الأوضاع الاقتصادية والمعيشية لمدينة غنية. وأصدر المجلس الوطني لحقوق الإنسان بعد ثلاث سنوات من جريمة الاغتيال تقريرا نص فيه على التزام تظاهرات حركة 20 فبراير بالسلمية ومن بينها مسيرة الأحد 29 ماي 2011، وأقر على لسان رئيسه إدريس اليزمي أمام البرلمان المغربي بمسؤولية الدولة عن مقتل الشهيد كمال باستعمالها المفرط وغير المتناسب للقوة مما أدى إلى المس بالحق في الحياة والسلامة البدنية للمحتجين.

المسار القانوني والقضائي لملف الشهيد

بعد تكليف الشرطة القضائية للقيام ببحث تمهيدي في القضية لمدة ناهزت السنة، أحال الوكيل العام للملك الملف على قاضي التحقيق ليباشر التحقيق ضد مجهول بتهمة العنف العمدي المفضي للقتل دون نية القتل والعنف العمدي. وتابعت هيأة الدفاع الملف عن كثب باعتبارها تنوب على الطرف المدني، واستغربت منعها من الاطلاع على محاضر تحقيق الشرطة القضائية وتقرير الطبيب الشرعي وباقي وثائق الملف، كما أشارت إلى أن جريمة اغتيال كمال عماري هي جريمة دولة تتضمن المس بالحق في الحياة وفي السلامة الجسدية لمواطن أعزل وانتهاك صارخ للحق في الانتماء والحق في التظاهر السلمي والحق في التعبير، وهي جرائم سياسية لا تسقط بالتقادم وفقا للقانون الإنساني الدولي والقانون الجنائي المغربي. وطالبت هيأة الدفاع بالحقيقة والإنصاف واتخاذ المتعين قانونا ضد الجناة والمتورطين وجبر ضرر عائلة الشهيد التي فقدت واحدا من فلذات كبدها في ريعان شبابه.

وأكدت هيئة الدفاع انتصابها في الملف باعتبارها طرفا مدنيا بالنيابة عن أفراد عائلة الشهيد كمال عماري رغم محاولات الدولة لإقبار الملف عبر قرارها القاضي بعدم المتابعة، واعتبرت أن هذا القرار لا يغلق الملف نهائيا بل بالعكس يبقيه مفتوحا، لأن قرار عدم المتابعة لم يستند على عدم ثبوت الجريمة وإنما استند إلى عدم العثور على الفاعل، إذ أن فعل الضرب والعنف الذي قام به عناصر من أفراد الأمن العمومي ضد المرحوم كمال عماري ثابت قضائيا. وأشارت هيأة الدفاع مستغربة إلى أن قاضي التحقيق كان يملك سلطات واسعة للبحث عن الدليل لكن لم يستعملها، ولم يبحث عن قصد أو عن غير قصد في الاتجاه الذي يمكن أن يوصله إلى إقامة الدليل والتعرف على الجناة.

ورغم ذلك قررت محكمة النقض، في الملف عدد 23321/2016، قرار رقم 1191-6-1-2017، الصادر بتاريخ فاتح نونبر 2017، رفض طلب دفاع عائلة كمال عماري، الرامي إلى نقض قرار قاضي التحقيق المؤيد من قبل الغرفة الجنحية الاستئنافية بأسفي والقاضي بعدم المتابعة وحفظ القضية مؤقتا إلى حين ظهور عناصر جديدة.