قدمت الأستاذة فوزية مستور لحلقتها الخاصة بشهر رمضان المبارك من برنامج “الحياة الطيبة” بقولها: “الحياة الطيبة التي نتكلم عنها لا تبدأ في الدنيا وتنتهي فيها، الحياة التي ننشد تبدأ بميثاق غليظ وتمتد للآخرة، حتى نلقى الله تعالى وهو راض عنا. طلب رضا الله تعالى هو موضوع هذه الحلقة الخاصة بخصوصية الزمن الذي هو شهر رمضان العظيم، وخاصة أيضا بخصوصية المطلب: رضا الله تعالى”. قبل أن تعطي الكلمة لضيفها الخبير في شؤون الأسرة الأستاذ عبد الله الشيباني ليجيب عن سؤال: كيف تتقرب الأسرة ببرنامج مشترك يثبت عمادها؟

أوضح الشيباني في مستهل كلامه أن شهر رمضان المعظم هو “فرصة يهبنا الله إياها كل سنة، شهر الغفران والتطهر والتوبة والمغفرة.. هي فرصة لنا كي نتدارك الفتور الذي يصبنا طيلة السنة بالاجتهاد في هذا الشهر الذي خصه الله تعالى بأنوار وبعناية خاصة”.

وجوابا عن سؤال: كيف تعيش الأسرة حياة طيبة في مواسم الخير؟ أرشدنا الداعية إلى أن “نبدأ من الأصل، فالزيجة تجتمع على سنة الله ورسوله، فإذن الأساس المتين الذي يجب أن تنبني عليه الأسرة المؤمنة هي هذه العلاقة بالله عز وجل. والرابطة الأسرية بين الزوج والزوجة والأبناء يجب أن يكون هذا أساسها، هذه العلاقة في الله”. ناصحا أن “نستغل فرصة شهر رمضان كي نقوي أرضية هذه العلاقة التي هي الارتباط بالله سبحانه وتعالى والعبادة المشتركة، التي لها غاية وهدف، والذي هو تقوية علاقتنا بالله عز وجل من خلال هذا الاجتهاد المشترك في العبادة والذكر”.

وبيّن الأستاذ الشيباني أنه “إذا توفرت للعائلة صحبة طيبة وجماعة طيبة التي هي فرصة الاستقاء، فمطلوب منها أن تجتهد في العبادات على طول السنة من خلال يوم المؤمن وليلته، وتضع برنامجا يخص يوم الأسرة وليلتها، خصوصا في رمضان”.

وأشار الشيباني متأسفا لحال عموم الناس في هذا الشهر الكريم قائلا: “أصبح من المؤسف جدا أن يصبح شهر رمضان شهر أكل بدل أن يكون شهر صيام، فيتهيأ الناس في شعبان لرمضان بغشيان الأسواق وشراء كل ما لذ وطاب استعدادا لأكله في رمضان. في حين أن هذه فرصة منحنا الله إياها كي نثبت عبادة الصوم، تطهرا للروح والجسد”. واعتبر هذا الفعل “تخلفا عن منهاج رسول الله صلى الله عليه وسلم وتمثله”.

وأخبر الشيباني، في معرض كلامه عن تأدية الأسرة واجب هذا الشهر الكريم كما يحب الله، أن “أول قرار يجب أن تتخذه الأسرة هو أن تجعل من رمضان شهر صيام لا شهر أكل، بحيث تتجند المرأة للطبخ ويصبح همها ملء طاولة الأكل، وهذا قد يأخذ منها مجهود اليوم بأكمله”. مشددا على ضرورة “أن نتحرر من هذه العادات الجارفة التي استحكمت فينا من جانب الزوجين معا. هذا تعاون أولي”. وأن “يكون الهم الذي يوحد الزوجين التحرر من أجل وضع برنامج مشترك، يدمجان فيه الأولاد، تحفيزا على الصيام واصطحابهم للصلاة المفروضة والتراويح بالتي هي أحسن تحببا ودون قسوة، وأن نجعل من الذهاب إلى صلاة التراويح حدثا وسط العائلة، بالاستعداد مباشرة بعد فطور خفيف للالتحاق الباكر بالمسجد قبل الأذان”.

ووضح أن “الغرض من هذا كله أن يدفع بنا هذا الموسم إلى الأمام في طريقنا إلى الله تعالى، فلا نجعل منه موسم صلاة وذكر ثم ننقطع عن كل هذا بمجرد انتهائه، فرمضان يجب أن ينقلنا من مستوى إلى مستوى أعلى منه”. وأنه “علينا أن نعيش عبادة الصيام بكل مقاصدها في هذا الشهر الكريم، فنصوم بجوارحنا كلها”.

ونهى الخبير الأسري أن تنحو الأسر نحو التطرف وذلك باستخدام “السلطوية ودفع العائلة لممارسة الشعائر الدينية كرها، وكذلك في باب التقلل، أو المنحى الثاني بحيث يجعل كل واحد من الزوجين لنفسه برنامجا خاصا به يطبقه دون إشراك الآخرين”.

وأبرز أن الموقف الأسلم هو الوسطية، وذلك بأن “أجتهد في إيجاد وسائل للتحبيب، وبقدر ما أكون أبا نموذجيا يحبني أبنائي وزوجتي بقدر ما أستطيع تبليغ هذه الأمور، فالأمر متعلق بشخصيتك ومكانتك في قلوب أفراد عائلتك كي تكون هناك استجابة”، مستعملا في ذلك “أسلوب الحكمة واللطف والتدرج والحوار والتشارك، هذه المعاني كلها يجب أن توظف في تحبيب الأهل في العبادة المشتركة في هذا الشهر صياما وقياما وصلاة في وقتها وسائر الأعمال التعبدية التي تكمل صيامنا”. داعيا “الله تعالى أن يوفقنا ويوفق الجميع أن نغنم هذا الشهر المبارك، كي نرتفع به أكثر في تقربنا إلى الله عز وجل، وعلينا أن نعرف أن الحياة الزوجية هي رافعة يمكن أن تساعدنا على هذا الأمر”.

ولفت الشيباني إلى أن “العبادة الجماعية لها أجر مضاعف كما أن أجر صلاة الجماعة يفوق أجر صلاة الفرد”، وأن “المجهود التي تبذله كي تشرك أسرتك في هذا الخير يكون أجره عند الله مضاعفا، والقربى من الله تكون مضاعفة، مقارنة مع إكثارك فردا من الطاعات، وهذا يمتن أساس الأسرة ويحفظها ويحصنها”، مؤكدا أن “أسرنا محتاجة لهذا التحصين من الهجوم الشيطاني الذي يأتي من الثغرات، إما في البناء الشخصي بالتفريط في أمور الدين أو في البناء الأسري الجماعي”.

وأنهى كلامه بالقول إنه “كلما اجتمعت الجماعة على أمر صالح وإلا كانت يد الله معهم، وتوفيقه وتيسيره”، وبالتنبيه إلى أن شهر رمضان الكريم هو “فرصة لتفعيل الدعامات التي سبق أن تكلمنا عنها، تعبيرا عن المحبة والرحمة والإكبار وإحسان الظن والثقة في الأهل والتحاور معهم..”. وهذا من شأنه أن “يحقق تلك الطيبة التي أرادها الله لنا في حياتنا الأسرية”.