الأحاديث في فضل الصيام عموما كثيرة ومتواترة، ولا يختلف أحد من السلف والخلف في فضل شهر رمضان، وما اختصه الله عز وجل به من كرم وفضل ومضاعفة أجر للمجتهد في التعبد ممن اجتباهم الله بخاتمة نبوة وانتساب لخير أمة.

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لما حضر رمضان: “قد جاءكم شهر مبارك افترض عليكم صيامه، تفتح فيه أبواب الجنة وتغلق فيه أبواب الجحيم وتُغلّ فيه الشياطين، فيه ليلة خير من ألف شهر، من حرم خيرها فقد حرم”. 1

 إنه شهر الصيام وشهر القيام وشهر القرآن، شهر المجاهدة، والاجتهاد في الصوم والصلاة، وتلاوة وتدبر القرآن، كل هذه المراتب السامية، المنبوذ إلى العبد المؤمن بذل الجهد لتحقيقها، والتحقق بها، يسّرها الله في هذا الشهر الكريم لمن أبدى الرغبة والإرادة وخطا الخطى العازمة، وتجاوز مثبطات النفس والهوى، بسدّ أبواب الجحيم وتصفيد الشياطين، فالترغيب في أعلى مستوياته، وبسط النعم الإلهية غير متناه.

تجليات ما ذكرنا من نعم وأنوار ربانية تكاد تتجسد للمؤمن ناطقة، سافرة بغير قليل من التجرد من كل لبوس غير كاشف: هيت لك ! أقبل! يلج المؤمن في البدء خجولا متربصا يرمق بطرف خفي خلفه، يمني النفس بعودة سريعة، لكن العرض مغر والطريق يسير معبد، خال من كل شيطان مارد. فهل هو جزاء معجّل في الدنيا للمؤمنين بدون ابتلاء المطبّات المانعة؟

فمهما واصل المؤمن الصائم القائم غوصه وانفراده واختلاءه، فهو في مأمن من الموانع الخارجة عن ذاته، مستزيدا من الأفضال والنعم والأنوار، حتى إذا خالط الناس واسْتُفزّ، أو ظُلم وانتُهكت حرمات نفسه، تظهر حينذاك الحكمة من الترغيب الكبير الذي فاز به في اختلائه، فهل هو قادر على أداء ثمن ما أخذه؟

عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “ليس الصيام من الأكل والشرب، إنما الصيام من اللغو والرفث، فإن سابّك أحد، أوجهل عليك، فقل إني صائم إني صائم”. 2

هذا التركيز في أحاديث كثيرة على الحلم، والصبر على الأذى عند الصيام، يجعلنا نطرح السؤال التالي: هل المؤمن – واعتبارا لما يجب أن يكون عليه في حياته كلها من أخلاق الإيمان – في حاجة خاصة استثنائية لكل هذا الترهيب من السقوط في المحظور من سوء الأخلاق، التي من المفروض أن لا يكون متصفا بها في غير رمضان؟ فلماذا التركيز على هذا النهي بهذا الشكل في شهر الصيام، أيمكن أن يكون للأمر علاقة بالتأثير على ذهنية الصائم كنتيجة للإمتناع عن الأكل والشرب؟

هناك مظاهر مجتمعية لها علاقة بشهر الصيام، سندرجها ربما تساعدنا للفهم والإجابة عن هذا السؤال:

–       كثرة الخلافات بين الصائمين والرغبة في العراك على أبسط الأمور.

–       قلة الصبر والحلم وسرعة التوتر.

–       الغياب النسبي للتفاعل الاجتماعي لدى البعض… إلخ…

إن الجوع الاختياري للصائم في رمضان، له نفس تأثير الجوع الاضطراري لغير الصائم بفعل الفقر والحاجة، وإن كان الفرق واضحا في محدودية زمن الأول، لكن إن لم يتم التنبه للتأثير السيئ الذي يمكن أن يحدثه من تفاعلات غير محسوسة في جسم الصائم، قد يؤدي إلى تصرفات لا إرادية غير محسوبة العواقب، وهنا يمكن أن نفهم الغرض الضمني من كثرة الأحاديث المحذرة من ضياع أجر الصائم إن استرسل في تعاطيه مع نوازع نفسه بدون وازع، فالجوع يعتبر آلة اجتماعية ونفسية طاحنة، تغير حياة الناس تغييرا كبيرا، خاصة على المستوى السلوكي المعاملاتي، وهو ما يمكن أن يفسّر في بعض الأحيان التنازل الفجائي لبعض الصائمين عن وقارهم المعتاد.

في دراسة قامت بها “صوفي ميدلين”، وهي محاضرة في التغذية وعلم التغذية من كلية “كينغز” في لندن، حاولت أن تؤكد بالدليل العلمي العلاقة الترابطية بين الجوع والغضب، تقول: “أنه، ومنذ فترة طويلة، اكتشف علميا أن الجوع يؤدي إلى تهيج الأعصاب.” فمخ الإنسان يعتمد على نسبة سكريات بسيطة من الجلوكوز لأداء مهامه ووظائفه بشكل صحيح، ولا يستطيع الشخص التركيز ويبدأ في الشعور بالغضب إذا هبطت تلك النسبة بشكل كبير. ويبقى التأثير متفاوتا من شخص لآخر حسب نسبة السكر في الدم، وسرعة حرق هذا الأخير في الجسم. ومن الأمور التي تربط بين الجوع والغضب إرسال المخ إنذارات لبعض الأعضاء ما يحفز الأدرنالين الذي يؤثر على المزاج.

إن العلاقة بين الجوع والغضب، حسب “صوفي ميدلين”، ترتبط بانخفاض مستوى السكر في الدم، بحيث يرتفع معدل الكورتيزول والأدرينالين في جسد الإنسان، بالإضافة إلى إفراز هذه الهرمونات على المخ، مما يجعل الخلايا العصبية أكثر نشاطا فينتج عنه الشعور بالجوع وبالتالي الإحساس بالغضب، كما أن انخفاض مستوى الجلوكوز في المخ، والذي يحدث عند الشعور بالجوع يجعل الإنسان أقل تركيزا وتحكما في عواطفه.

وكخلاصة يمكن أن نستنتج بأن الغضب نتيجة الشعور بالجوع هو عاطفة إنسانية طبيعية جدا أثبتها العلم، حتى إنه تم إدراجها رسميا في أشهر قواميس اللغة، فكلمة “Hangry” تمت إضافتها إلى قاموس أوكسفورد الإنجليزي، وهي كلمة انجليزية تجمع بين كلمتي “Hunger/ الجوع” و”Angry/ غاضب أي “الجائع الغاضب”، وهو مصطلح يرى من أضافه إلى القاموس، والمدافعون عنه أنه مصطلح عام يتطابق مع الأسس العلمية.

علاقة بما سبق، فالغضب بسبب الجوع، إذن، مسألة طبيعية جدا، خارجة عن الإرادة الإنسانية، إلا أن الأمر بالنسبة للمؤمن الصائم مسألة تتعلق بصحة الصوم نفسه، فلا رفث ولا جدال، بل صبر وحلم وأناة ومجاهدة، وهي كلها أخلاق إسلامية، يجتهد المؤمن للتخلق بها في غير شهر رمضان، لكن دونها في شهر الصيام عقبات الكورتيزول والأدرينالين، وارتفاع نسبة السكر في الدم، وهو ما يفسر التأكيد على التخلق بها في العديد من الأحاديث النبوية الواردة في هذا الشأن. “فإن سابّك أحد، أو جهل عليك، فقل إني صائم إني صائم”.

إن سابّك أحد أو جهل عليك، أيها المؤمن فقل إني صائم، تذكر أنك صائم، وأن قابليتك للخصام ورد صاع الجهل بصاع مثله أو صاعين كبيرة، لن يقف أمامها إلا الرغبة الأكبر في الاتصاف بالحلم والأناة، إنك لست أنت وأنت صائم “جائع”، قد يفاجئك رد فعلك، فقل إني صائم، تذكر أن الفعل العظيم، يقابله الأجر الأعظم، وعظم أجر الصبر على الصيام، والذي هو بالتأكيد ليس صبرا فقط على الجوع والعطش، هو جزاء على فعل لن يقدر عليه إلا المؤمن المقتدي المهتدي بالآيات والأحاديث النبوية المرغبة فيه.


[1] رواه أحمد والنسائي والبيهقي.
[2] رواه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم.