من حكمة الله سبحانه وتعالى وجميل صنعه في نظام الكون وناموس الوجود، أن جعل حال الإنسان في الحياة على أمرين اثنين. حال الإنسان الغافل عن ربه المعرض عن سبيل الرشاد جناية من نفسه واقترافا، وحال المقبل على مولاه بالعبادة والطاعة السالك مسلك الهدى والفلاح سدادا من الله وتوفيقا. ثم رتب جل شأنه على كل سبيل من السبيلين جزاء وفاقا يلقاه العبد في دار الحساب، كفاء واستحقاقا لسعيه في دار العمل.

فهو للمقبل طمأنينة في الدنيا، وثواب في الآخرة، وإقبال من قبل الحق سبحانه، قال تعالى: وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة. وهو للعبد الآبق عن سيده ضنك في الدنيا، وعقاب في الآخرة وإعراض من المولى الكريم، قال تعالى: كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون.

وقد ذكر الله سبحانه وتعالى وصفا لهذا الناموس العظيم في غير موضع من القرآن بمسميات شتى. فتارة يتحدث عن طلاب الدنيا وطلاب الآخرة يعرض علينا مراتب الإرادات فيقول: من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه، ومن كان يريد حرث الدنيا نوته منها، وما له في الآخرة من نصيب. ومرة يجلي حال ابن آدم مع نفسه فيقول: ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها. ومرة يصف صنع عباده بماله الذي استخلفهم فيه فيقول: إن سعيكم لشتى. فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى. وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى.

ثم كان من عظيم رحمة الله بالإنسان وإحسانه إليه أن جعل في الوجود مواسم للخير يضاعف فيها الأجر ويجزل الثواب. وبث في الحياة محطات للعبادة ونصب فيها موائد للطاعة زاخرة بالخيرات الإلهية ذات الفضل المتواتر، وحبلى بالفيوضات الرحمانية ذات العطاء المتناثر، قال النبي صلى الله عليه وسلم: “إن لربكم في أيام دهركم نفحات، ألا فتعرضوا لها”.

وكل ذلك إنما هو تنبيه من الله عز وجل للإنسان المستغشي ثيابه عن سماع نداء العبودية الخالصة أن المناسبة هي رجعى إلى الله وتوبة وإنابة، ثم هو تذكير للإنسان المقبل والمستجيب لنداء الله ورسوله أن الفرصة فرصة تقرب إلى المولى وزلفى وإجابة.

لقد جعل الله هذه الأنوار والنفحات المبثوثة في جميع الشهور والأيام، والمبسوطة في طيات الكون وبين ثنايا الزمن تفيض في شهر رمضان المعظم، الذي خصه الله سبحانه وتعالى بمكرمات وبشائر عظمى، فيضانا روحيا وعاطفيا ونفسيا وسلوكيا، فتكسو مبنى الوجود لباس التقوى ورداء الإيمان، وتزين معناه سناء عرفانيا وبهاء وجدانيا، يكسبه جاذبية خاصة تشد إليها أنفاس المخلوقات جميعا.

ولذلك تجد الكثير من الغافلين عن النبأ العظيم المنتظر، والناكصين عن سر الوجود المعتبر، والمتصاممين عن سماع سؤال المصير المشتهر، يحملهم شهر رمضان على الاستقامة على الجادة من أمر الله والقويم من سبيله اختيارا لا اضطرارا.

طالع أيضا  ماذا تعرف عن الاعتكاف؟ (شريط تعريفي)

رمضان متجر رابح للأبرار

الحاذق اللبيب من التجار يتصيد أوقات الذروة وفترات الرواج كي يعرض بضاعته في السوق طلبا لمشتر سخي يجود بأجر وفي. والموفق في دين الله من تتلقفه يد العناية الإلهية وكف التوفيق المولوي ليعرض بضاعته وسلعته على الله سبحانه وتعالى عز وجل. في رمضان شهر الصيام الحسي والمعنوي، يتخذ الموفقون من عباد الله الكلمة الطيبة عنوانا والعمل الصالح ميزانا، ويفترشون دثار الإخلاص ويتوشحون إزار الصواب، ناظرين بعين اليقين والرجاء إلى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: “كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به” 1.

يعلمون علم اليقين أن تجارتهم مع الله عز وجل، وهو أعز المشترين وأكرم المعطين، لن تبور، فتهفوا نفوسهم وتتشوق أرواحهم إلى ما ادخره الله لهم من عظيم الجزاء الحسي وبالغ الرزق المعنوي. وكفى بالمرء فوزا وربحا ونجاحا وفلاحا أن يجود الله عليه في شهر رمضان بالرحمة والمغفرة والعتق من النار. عن سلمان الفارسي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “شهر رمضان شهر أوله رحمة، وأوسطه مغفرة، وآخره عتق من النار” 2.

غير أن تجارة الدنيا يرى صاحب البضاعة في ثمنها وقيمتها أهلا واستحقاقا، وكمال البر في تجارة الآخرة أن يرى العبد الموفق بضاعته في جنب فضل الله ورحمته مزجاة. قال الله تعالى: لمغفرة من الله ورحمة خير مما تجمعون. وقال عز من قائل: قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون.

فيا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم الذي خلقك فسواك وخلق عملك فعدله ونسبه إليك، وفي أي صورة من صور الكمال ما شاء ركبه وأظهره. فلا تركن إلى ما منك إلى الله، وتوطن على ما من الله إليك. فما منك إليه مكسور وما منه إليك مجبور. ما منك إليه شر متواصل، وما منه إليك بر واصل. ما منك إليه هباء منثور وما منه إليك عطاء غير محظور. ما منك إليه خاسئ حسير وما منه إليك سراج منير. ما منك إليه صفر خداج وما منه إليك نضر وهاج. ما منك إليه بال خليق وما منه إليك ركن وثيق. ما منك إليه صنو الدخن وما منه إليك عين الحسن. ما منك إليه لجة الأكدار وما منه إليك نور الأنوار.

رمضان مستودع العبودية والافتقار

اختص الله سبحانه شهر رمضان بعبادتين عظيميتن هما من أشرف العبادات مددا وأجلها بركة. فهو شهر القرآن تلاوة وتدبرا، وشهر الصلاة قياما وخشوعا. وللعبادتين نورانية من أعظم الأنوار. فالقرآن حبل الله الممدود وكلامه المقدس وهو سبحانه كمال النور. قال تعالى: الله نور السماوات والأرض. والصلاة مناجاة ووصلة بين العبد وربه فهي نور. عن أبي مالك الأشعري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “الطهور شطر الإيمان… والصلاة نور…” 3.

هذه النورانية حين تتجلى على الوجود فإنها تقلب فيه صفحات الحياة البشرية من السلب إلى الإيجاب، ومن الانقطاع إلى الوصال، ومن الإدبار إلى الإقبال حالا ومعنى، فينتظم بها أمر الإنسان ويصلح حاله. فتجد النفوس تسلس القياد لمظان الخير طوعا، وترخي الجوارح العنان للطاعة رغبة، وتستلذ القلوب بمناجاة الرحيم انتشاء، وتطيب الأرواح بقرب الأنيس بهجة.

طالع أيضا  رمضان والجهاد.. مع الأستاذ الخطيب

إذاك يتقلب المرء في نعيم الطاعة وبحبوحة العبادة، يرفل فيها مؤديا حق عبوديته لمولاه عز وجل. يصل ما انصرم من حبل المودة والقربى بصاحب الفضل والإنعام، ويطلب الرضى والقبول ويسأل النوال من المنعم تحققا بقوله تعالى: وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء.

وبهذا تستمد القلوب من هذه النورانية نورا يعصمها من الالتجاء إلى عالم الظلمات والانتماء إلى سرب الأموات. قال تعالى: أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها.

ثم يعلم يقينا من فكر وقدر وقد كان أدبر ثم تدارك فأقبل أن العبودية لله ما هي انتساب بالاسم أو انتماء بالرسم. قال الإمام عبد القادر الجيلاني رحمه الله: (يا غلام. أين عبودية الحق عز وجل، هات حقيقة العبودية وخذ الكفاية في جميع أمورك. أنت عبد آبق من مولاك، ارجع إليه وذل له وتواضع لأمره بالامتثال، ولنهيه بالانتهاء، ولقضائه بالصبر والموافقة. إذا تم لك هذا تمت عبوديتك لسيدك وجاءتك منه الكفاية. قال الله عز وجل: أليس الله بكاف عبده) 4.

وقال الإمام أحمد الرفاعي رحمه الله: (أي سادة. العبدية ترك كل كلية وجزئية. العبدية رد القصد عن كل مزية… العبدية وقوف عند ما حد للطينة الآدمية… لا يكون العبد عبدا كاملا حتى يصل إلى مرتبة الحرية، والتخلص من رق الأغيار بالكلية) 5.

رمضان رحم ولادة للأحرار

خلق الله جلت عظمته الإنسان من قبضة طينية ونفخة روحية كما يخبر بذلك قوله تعالى: إذ قال ربك للملائكة أني خالق بشرا من طين فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين. وجعل سبحانه مضغة في الجسم مركز الصراع التي يتجاذبانها. فالقلب إذا صلح صلح الجسد كله وإذا فسد فسد الجسد كله.

وصلاحه رهن بأسر الشيطان الرجيم مشرب الضلالات وأصل الغوايات، وبلجم النفس الأمارة بالسوء منبع الشهوات ومرتع المفسدات. قال الإمام أحمد الرفاعي رحمه الله: (إذا صلح القلب صار مهبط الأسرار والأنوار، وإذا فسد صار مهبط الظلم والشياطين) 6.

وفي شهر رمضان كسر الله عز وجل شهوة النفس ونهمها بالصيام والقيام والصلاة وقراءة القرآن، وسلسل الشياطين فلا يصلون إلى الإنسان بغواية أو إفساد. عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة، وغلقت أبواب النار، وصفدت الشياطين” 7.

بذلك يبدأ الإنسان بالانعتاق تدريجيا من قيد الهوى وأسر الشهوات وسجن العادات والمألوفات، يضع عنه الإصر والأغلال التي كانت عليه. يتحرر من طينيته ودوابيته التي تخلد به إلى الأرض فيصلح منه القلب ويطيب، فتحلق روحه نحو التعلق بأذيال الجناب الكريم تطلب كمال النفس في تمام عبوديتها لله. قال الإمام ابن قيم الجوزية (تمام العبودية هو بتكميل الذل والانقياد، وأكمل الخلق عبودية أكملهم ذلا لله وانقيادا وطاعة) 8.

وعلى قدر التحرر من هوس الدنيا المحموم وهذيان العالم الصاخب تتحقق درجة العبودية لله. قال سيدي علي بن محمد العمراني رحمه الله: (ما اتصفت بأوصاف العبيد إلا وجدت نفسك من الأحرار، ولا اتصفت بأوصاف الأحرار إلا وجدت نفسك من العبيد) 9.

ومناط الأمر في هذا كله، بعد توفيق الله، ذات الإنسان حينما ينقدح في سره هم مؤرق ينشئ إرادة تتشوق إلى المعالي، فتبرز إلى الوجود همة تنهض للطلب، فتصير مع الأخذ بالأسباب عزما على سلوك الطريق إلى الله. يقول الأستاذ عبد السلام ياسين حفظه الله: (ليست المادة هي المهيمنة على الإنسان المسلم، بل إرادته الإيمانية تغالب ثقل المادة وتصارعها في كل حين، لأن البيئة المادية مفضوحة في نظره يراها فتنة تحطه من قيمته مخلوقا سماويا مآله الجنة ليصبح دابة أرضية مآلها التراب) 10.

طالع أيضا  أحاديث نبوية في فضل رمضان (1) فضل الصوم

فطوبى لمن أدرك شهر رمضان بكسب الرزق المعنوي، والعمل الصالح، والسعي المبرور حتى تغلب فيه روحانيته طينيته، فتتحقق له عبودية لخالقه ومولاه وحرية من أثقاله وأصفاده، فتفيض نورانيته على الوجود بهاء وحسنا.

نعوذ بفضل الله أن نكون من زمرة من قال فيهم: ولكن كره الله انبعاثهم وثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين. ونستجير بجنابه أن نكتب في صنف من أخبر عنهم فقال: أولئك الذين لم يرد لله أن يطهر قلوبهم. ونلوذ بجواره أن نحشر في صف من قال فيهم: يريد الله ألا يجعل لهم حظا في الآخرة.


[1] رواه الشيخان.
[2] رواه ابن خزيمة في صحيحه.
[3] رواه مسلم.
[4] كتاب “الفتح الرباني” ص 23.
[5] كتاب “البرهان المؤيد” ص 66.
[6] نفسه ص 86.
[7] حديث متفق عليه.
[8] كتاب “مفتاح دار السعادة” ص 281.
[9] كتاب “نصيحة المريد في طريق أهل السلوك والتجريد” ص 117.
[10] كتاب “الإسلام غدا” ص 44.