في شهر رمضان الأبرك تظهر النفوس على حقيقتها، وتبدو استقامتها أو انحرافها، سواؤها أو اعوجاجها، صفاؤها أو كدرها، فهو مرآة يرى كل إنسان فيها نفسه، مصفاة لمن ينشد نقاءها وجمالها. ألم يخبر الحبيب صلى الله عليه وسلم بأن الشياطين تصفد فيه؟ إنه محطة لاختبار النفس وقياس منسوبها الإيماني؛ فقد كفى الله المومنين والمومنات عداء الشياطين وتركهم أمام امتحان العقبتين النفسية والخارجية المتمثلة في العوائق الموضوعية من فتنة الأهل والولد والعمل والإعلام… لينظر كيف يعملون.

لمَّا نقرأ أخي المسلم كتاب ربنا نقف على ثلاثة أنواع من النفوس:

– نفس مطمئنة: تابت وآبت إلى ربها ولاذت به ولجأت إليه خوفا وطمعا وعبدته رغبا ورهبا ودعته خفية وتضرعا.

– نفس لوامة: تذنب وتتوب، تزل فتستغفر، تتقلب بين الطاعة والمعصية، تقف للمحاسبة باستمرار ترجو أن يتداركها ربها باستقامة قاصدة دائمة.

– نفس أمارة بالسوء: كثيرة الأمر لصاحبها بالسوء، تغرقه في المعاصي وتغوص به في الشهوات، حتى يصير أسير هواه.

قف مع نفسك

ما أجمل أن يقف كل مسلم وقفة صريحة مع نفسه في هذا الشهر الفضيل، يحاسبها ويقومها وينظر إلى أي النفوس تنتمي؟ فإن كانت نفسه مطمئنة – مع عدم إحسان الظن بها – فليواصل سعيه حتى يكون قلبه “أبيض مثل الصفا فلا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض” 1، وإن كانت نفسه لوامة فليعتبر رمضان فرصة ليرتقي بها إلى النفس المطمئنة، وإن كانت نفسه أمارة بالسوء فليغتنم هذا الشهر المطهر فيضرع إلى الله ليمُن عليه بتوبة نصوح تطوي صفحة ماضيه السوداء.

كن باغي الخير

ناداك أخي المسلم منادي الإيمان “يا باغي الخير أقبل ويا باغي الشر أقصر” 2 لتكون ممن يبغي الخير ويريد القرب من الله، اقرأ معي قوله تعالى: شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان… وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعان فليستجيبوا لي وليومنوا بي لعلهم يرشدون [البقرة: 184-185]، وتأمل كيف يدعونا الكريم الوهاب إلى الاهتداء بالقرآن والاستجابة لأمره والإيمان به والتضرع إليه بالدعاء، وكيف يجزل العطاء والنوال فيتفضل على من آمن بهداية قلبه ومن يومن بالله يهد قلبه [التغابن: 11] ومن استجاب لأمره بالرشد ومن دعاه بالإجابة أولائك على هدى من ربهم وأولائك هم المفلحون [البقرة: 4].

طالع أيضا  صيام شهر رمضان بين العادة والعبادة

“لقد كان لكم في رسول الله إسوة حسنة”

لا تتحقق الاستجابة لأمر الله في رمضان وغيره من الأشهر إلا إذا كان هوى كل مسلم تبعا لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، ومن ذلك أن يهتدي بهديه في شهر رمضان، فكان يصوم إيمانا واحتسابا، يدارس جبريل القرآن، جوادا، مواسيا، ذاكرا لله، داعيا إليه، مجاهدا في سبيله…

لتختبر نفسك أخي المسلم، إسأل نفسك ما حظها من صوم القلب والجوارح، ومن الصلاة في وقتها، ومن القيام إيمانا واحتسابا، ومن الذكر تهليلا واستغفارا وتسبيحا وصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم… ومن الدعاء، ومن القرآن تلاوة وحفظا وتعهدا وتدبرا ومدارسة، ومن حضور مجالس العلم والإيمان، ومن صلة الرحم والمواساة وتنفيس الكرب وسائر أعمال البر؟ وانظر في مقدار صدقها مع الله واستجابتها لأمره وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم فستكتشف بالنظر هل هي طيعة مقبلة أم عصية مدبرة؟

مجاهدة وجهاد

في مجاهدة النفس وحملها على ما تكره خير كثير، وفي الجهاد مقاومة للظلم وسعيا نحو إقامة العدل فضل كبير وسير على هدي الحبيب صلى الله عليه وسلم وصحابته والسلف الصالح، فشهر رمضان كان شهر الغزوات والفتوحات، فكن أخي المسلم ممن يجمع بين مجاهدة نفسه والجهاد في سبيل ربه، فكل موطئ تطؤه قدماك في وقفة وكل خطوة تخطوها في مسيرة يُكتبان لك عملا صالحا، فاستنصر ربك بدعائك في المساجد وهتافك في ساحات الجهاد.

يا نفس يا نفس لا ترخي عن العمل *** في البر والعدل والإحسان في مهل

فكل ذي عمل في الخـيـر مغـتـبـط *** وفـي بـلاء وشـؤم كـل ذي كــســل

ضوابط وتوجيهات

لتكون المجاهدة للنفس -ترويضا لها على طاعة الله- موفقة وعلى هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم لا بد من مراعاة الضوابط والتوجيهات التالية، وهي:

طالع أيضا  تعجيل الفطر

– إعطاء كل ذي حق حقه: وازن أخي المسلم بين الحقوق، فأد حق ربك وحق نفسك وحق بدنك وحق أهلك وحق زورك كما في الحديث النبوي الذي صدَق فيه الرسول صلى الله عليه وسلم سلمان لما نصح أخاه أبا الدرداء بإعطاء كل ذي حق حقه.

– العمل على قدر الاستطاعة: فقد أوصى الرسول صلى الله عليه وسلم المسلمين بأن يكلفوا من العمل -أي نوافل الطاعات- ما يطيقون ويقدرون على الدوام عليه، فالعبرة بالاستمرار ولو مع الإقلال، فإذا كان الإكثار مع الدوام فذاك أفضل، لقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي روته أمنا عائشة رضي الله عنها: “أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل” 3.

– التسديد والتقريب: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن لكل شيء شرة وبعد كل شرة فترة، فإن صاحبها سدد وقارب فارجوه وإن أشير إليه بالأصابع فلا تعُدَوه” 4. فقد تأتي بعض المسلمين في بداية رمضان شرةٌ (اندفاع وحماس) للقيام بأعمال البر، لكن سرعان ما تتبعها فترةٌ وتراخ، فعلى سبيل المثال يكون الحرص على صلاة التراويح بكامل ركعاتها ثم يكتفى بأربع ثم باثنتين ثم يكتفي البعض بصلاة فريضة العشاء. فانتبه أخي المسلم لهذا الأمر وكن ممن يستزيد من الطاعة يوما بعد يوم، عشرا بعد عشر في رمضان.

– سؤال الله الثبات: أكثر من الدعاء النبوي “يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك” 5، “اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك” 6 اسأل ربك الثبات على الأعمال وتثبيتها والتوفيق للاستمرار في القيام بها بعد رمضان فالقلوب بيده يقلبها كيف يشاء.

– سؤال الله تقوى نفسك وتزكيتها: اقتداء بالرسول صلى الله عليه وسلم الذي كان يسأل ربه فيقول في دعائه: “اللهم آت نفسي تقواها وزكها أنت خير من زكاها أنت وليها ومولاها” 7.

– بذل الجهد بعد رمضان: حافظ أخي المسلم على الفرائض وأعمال الخير التي وفقت للقيام بها في رمضان، وخاطب نفسك بجد كما خاطبها الشاعر قائلا:

طالع أيضا  أهلا رمضان

دعي نفس التكاسل والتواني *** وإلا فاثـبـتي فـي ذا الهوان

فلم أر للكسالى الحظ تحظى *** سوى ندم وحرمان الأماني

ختاما

تذكر أخي المسلم أن الله تعالى يقي عباده المتقين –ورمضان شهر التقوى– المجاهدين لأنفسهم امتثالا لأمره واجتنابا لنهيه والمجاهدين في سبيله إعلاء لكلمته نار جهنم، فيعتق رقابهم منها يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا ويحذركم الله نفسه والله رءوف بالعباد [آل عمران: 30].


[1] أخرجه مسلم من رواية حذيفة رضي الله عنه.
[2] أخرجه مسلم والترمذي وابن ماجة…
[3] رواه مسلم.
[4] أخرجه الترمذي بإسناد حسن.
[5] رواه الترمذي.
[6] رواه مسلم.
[7] رواه مسلم.