قال لي صاحبي:

أحكي لكم قصة ما زالت تفاصيلها محفورة بذاكرتي وقد مضى عليها سبع سنين. أحكيها وفاء وحبّا. بعدما عشت عِبَرها وعَبِيرها قلبا وقالبا.

بطل قصتي رجل أمريكي اسمه “مارك فالنتين”، كان مهتما بالتعرف على الإسلام. فكان يتصل بي عبر الهاتف مرة بعد مرة، وأنا يومها إمام مسجد بولاية إيلينوي…

كان هذا الرجل يعشق الأذان، ويتمنى أن يحفظ أمّ القرآن، وهو لم يدخل بعد في الإسلام.

بعد مدة شرح الله صدره للإيمان، فأعددت يوم الجمعة -بعد الصلاة- موعدا ليعلن إسلامه أمام المصلين، ويشعر بدفئ المؤمنين. وذاك ما كان… فهللت الجموع وصدحت الحناجر بتكبير الرحمان.

يا الله… ما أحلى الإيمان…

كان أخي الحبيب “مارك” يشتغل -قبل أن يتقاعد- بإدارة حكومية للتصحيح اللغوي للملفات والوثائق الإدارية. بعد إسلامه، أهديته بعض الكتب، منها نسخة مترجمة بالإنجليزية للقرآن الكريم.                                                                

لما اطلع “مارك” على تلك النسخة، أدرك بخبرته في اللغة أنـها مليئة بالأخطاء وهذا أزعجه كثيرا… فحمل على كاهله مسؤولية تصحيح هذه الترجمة، وبدأ المشروع.

كان في حياة “مارك” امرأة يحبها حباّ جمّا، اسمها “نورما”. تزوجها وكان له منها أبناء. ولكن لظروف يعلمها الله، تعكرت الأجواء. فطلقها منذ زمن بعيد، لكنهما لم يفترقا، وظلاّ يعيشان معا في نفس البيت بسبب الظروف المادية الصعبة.

هذه المرأة لاحظت تغييرا كبيرا في شخصية “مارك”. فقد جعل منه الإسلام رجلا طيبا خدوما، هادئا ودودا، بالإضافة إلى أنه توقف عن تناول الكحول، وحاول صوم رمضان، وكان يتصدق رغم قلة ذات يده لصالح المسجد. وكان حريصا على حضور صلاة الجمعة رغم بعد مكان إقامته، إذ كان يستقل حافلتين، ويكمل الطريق مشيا على القدمين، ليشهد الخطبة ويصلي الركعتين. 

هذه الشخصية الجديدة لمارك كانت رسالة ربانية لزوجه “نورما”، فجاءتني ذات يوم إلى المسجد وطلبت مني أن أفعل بـها ما فعلت بزوجها… قلت لها أنا لم أفعل له شيئا، وأن كل ما في الأمر أن “مارك” وجد ربّه… ومن وجد ربّه، أنار قلبه…

باختصار، كانت هذه هي نتيجة الحوار:

أسلمت “نورما” بيني وبينها، ثم أعلنت يوم الجمعة أمام الناس إسلامها.

بعد بضعة أسابيع، بدا لمارك و “نورما” أن يعيدا عقد زواجهما، لكن هذه المرة بالطريقة الإسلامية. فرحتُ بالخبر فرحة عارمة، لعلمي بحبهما الكبير لبعضهما. ورأيت على وجه “مارك”، المولود حديثا، والمتزوج قريبا… كل علامات الفرح والسعادة.                                                                                                     

ذات خميس، اتصل بي “مارك” ودعاني للقائه حتى أجيبه عن بعض الأسئلة المتعلقة بالزواج الإسلامي، وتفاصيل حفل الزفاف… جلسنا وتحدثنا عن كل ذلك، وحدّدنا موعد الحفل، وبعض تفاصيله الإجرائية.   لكن حدث أمر غريب في ذلك اليوم، إذ بينما كنا نتحدث عن العرس والفرح، خطر ببال “مارك” سؤال عجيب وعليه ألحّ… وبدون مقدمات… سألني لم لا يدفن المسلم مع غير المسلمين، إذا مات؟                         

ذهلت هنيهة، ثمّ أفقت… وبما وفقني الله إليه -حينئذ- أجبت.                                        

وانتهى حديثنا على أن يكون عقد القران وحفل الزفاف بعد أسبوعين.

كانت الأقدار تسير سيرها، وتشقُّ طريقها على غير ما اتفقنا عليه أنا و “مارك”… كان لها خيار آخر، واتفاق آخر، وموعد آخر. 

بعد يومين بالضبط، وفي ليلة سبت، اتصلت بي “نورما” وقد اعتراها الغضب وتملكها السخط، وطلبت مني أن أنسى موضوع الزواج ولا أذكره قط…                                                     

هدّأتُ من روعها، وطلبتُ منها توضيحا. فقالت بأن “مارك” لا يسمع نصائحها فيما يخص كمية الأدوية التي يأخذها علاجا لأمراضه… وأنه يأخذ أكثر من اللازم وهذا خطير على حياته. 

سألتها: أين هو الآن، وهل يمكن أن أكلمه؟                                                         

قالت: إنه هناك على الأرض نائم… لا أريد أن أكلمه، ولا أودُّ أن أقربه، وهذا فراق بيني وبينه.. .قلت: حسنا… سأكلمه غدا -إن شاء الله-…. وانتهت المكالمة. 

وفي الغد جاء الخبر الصاعقة… “مارك” لم يكن نائما. “مارك” كان في تلك اللحظة يصارع الموت بعد أن أصابته أزمة قلبية حادّة. وكان بإمكان “نورما” -لو أذن الله- أن تنقذ حياته… لكنها بعدما تملكها الغضب لم تفعل. لم يستيقظ “مارك” ذلك الصباح، ولم يكتب له أن يعقد على “نورما” عقد النكاح. ومحلّ الفرح، حلّ بكاء ونواح… وبعدما التأمت الجراح بين الحبيبين –أو كادت- ها قد ذهب وراح.

غسلتُ “مارك” وكفنتُه، وللتشييع جهزته، وعلى مرفع وضعته… ولم يبق إلا أن نحمله وإلى مثواه الأخير نوجهه، فجاءتني “نورما” والدمع يسقي وجهها، والكمد يقطع قلبها، والحسرة تفتت كبدها… وطلبت مني أن أمنحها فرصة لتلقي نظرة أخيرة عليه، وتضع خاتم الزواج الموعود في إصبعه، وتتزوجه على سنة الله ورسوله… ما كان أمامي إلا أن أستجيب، وبابتسامة وحكمة على الطلب أجيب، والدمع من عيني صبيب…                                                                       

أزحت الكفن، عن وجه صبوح حسن… وأخذت أتملى ما جاد به المولى ومنّ… ثمّ تركتها معه وخرجت أنتحب.

بعد ذلك، أخذناه إلى المقبرة حيث لنا مكان خاص بالمسلمين، ونزلت قبره صحبة أخوين اثنين، ودفناه على سنة الله ورسول، والحاضرون من مسلمين وغير مسلمين ينظرون في هيبة وخضوع، وسكينة وخشوع.

وعوض أن يحضر عرسه –كما كان مقررا- قلةٌ قليلةٌ من المدعوين، مشى في جنازته موكب ضخم من المشيِّعين… مسلمين ومسيحيين. وكان عرسا كبيرا… ألقيت فيه كلمة مختصرة لخّصها اسم فقيدنا: “Mark Valentine”

“مارك”… هي علامة…. “مارك” رحل… وترك فينا علامة.

“فالنتين”… عيد حبهم، وهذا عيد حبنا…

رسالة “مارك” هي حبٌّ جمعنا في مقبرة مع كل الأجناس، لنشهد موعد الرحيل الذي ينتظر كلّ الناس.

بعد ذلك اليوم المهيب، اتصلت بي ابنة “مارك” -غير المسلمة- وقالت وهي تبكي: لقد فتحتُ مصحف أبي المترجم، فوجدتُ أن آخر آية توقّف عندها وهو يحاول تصحيح الترجمة، كانت في المنتصف، وكانت تتحدث عن الموت. وإني أعدك أن أكمل ما بدأ والدي، فأنا أشتغل في نفس الإدارة التي كان يشتغل فيها.

شكرت لها صنيعها، وترحّمت على أبيها، وودعتها. 

بعد بضع أسابيع، اتصلت بي “نورما” باكية ضاحكة، حزينة مسرورة، تغالبُ ابتسامتُها دمعَتها، وتدافعُ فرحتُها حزنَها، ولمسة الأمل تمحو بلطف ألمها…

أخبرتني بأنّـها تلقت اتصالا من مدير دار النشر التي ترجمت وطبعت المصحف الذي كنت أهديت نسخة منه لمارك عند إسلامه، وسألها عن زوجها فأخبرته بأنه قد قضى نحبه، ولقي ربّه. فبكى وقال: لقد قام “مارك” بعمل جبار في تصحيحه لأخطاء ترجمة المصحف، وكنت أود أن أشكره بنفسي، ولاسيما أنه رفض أن يتقاضى أجرا مقابل عمله ذاك.

كانت هذه قصة “مارك”، واحد من آلاف… بل من آلاف الآلاف من “الماركات” الذين هم حولنا، والذين قد ينامون فلا يستيقظون، ويرحلون دون أن نبلغهم رسالة الله، ونحدّثهم عن سيدنا رسول الله.

نسأل الله أن يرحم “مارك” وأن يقبله عنده من المسلمين الصادقين…

آمـين.