أجرى موقع الجماعة نت حوارا مع الأستاذة زينب الجوهري، عضو الهيئة العامة للعمل النسائي لجماعة العدل والإحسان، حول موضوع المرأة في رمضان”، حظها من الشهر الكريم، واشتراكها مع أخيها الرجل في المسابقة إلى مكرمات الشهر الكريم، وخصوصياتها وكيف لها ألا تؤثر على إقبالها وتحول دون غرفها من فضائله… وغيرها من القضايا الهامة التي تخص المرأة، والرجل كذلك. فإلى نص الحوار:

يستقبلنا ونستقبل شهرا عظيما، أوقاته ليست كالأوقات ونفحاته ليست كالنفحات، من أُعطي فيه فهو السعيد ومن حُرم فهو المغبون. ما حظ النساء من هذا الخير العميم والأجر الوفير استعدادا قلبيا وعمليا؟

بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وإخوانه وحزبه، بداية نبارك لكم وللأمة الإسلامية هذا الشهر الكريم، شهر الرحمة والمغفرة والعتق من النار، شهر البركات والخيرات والمكرمات، هو نعمة وفضل كبير يستوجب منا شكر العزيز الوهاب، قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ سورة يونس الآية 58، هو ضيف عزيز كريم تفرح به المسلمات والمسلمون على السواء وفرصة من العمر قد لا تتكرر ومناسبة للصلح مع الله سبحانه وتعالى.

لذلك وجب على المؤمنة الاستعداد له مسبقا استعدادا نفسيا وروحيا، بتجديد النية، بالتوبة له سبحانه، بالاجتهاد في الطاعات في رجب وفي شعبان على الخصوص، فهي تزرع في شعبان لتحصد في رمضان، وما دعاء المؤمنات أن يبلغهن الله رمضان، كما كان يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا تعبير عن استعدادهن وشوقهن لهذا الشهر العظيم وحرصهن على اغتنامه والتعرض لنفحاته وأنواره.

تشترك المرأة مع الرجل في التكليف بالعبادات المرتبطة بهذا الشهر الكريم صياما وقياما وذكرا.. غير أنها تتميز بخصوصية مسؤوليتها. كيف لها أن توفق بين الواجبين، واجب العبادة لله وواجب القيام بأعباء الأسرة؟

يقول الله سبحانه وتعالى في الحديث القدسي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: “كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فهو لي وأنا أجزي به”، جزاء للمرأة كما للرجل، مغفرة وأجر عظيم كما جاء في الآية الكريمة من سورة الأحزاب: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا.

فالمؤمنة تسعى للتقرب منه تعالى في هذا الشهر الكريم بالصيام والقيام والذكر والدعاء وبفعل الخيرات وترك المعاصي، وكلها يقين أن الله يضاعف لها فيه الحسنات ويمحو السيئات، كما تتقرب إليه أيضا برعاية أطفالها وخدمة بيتها، وحرصها على نظافته حفاظا على الصحة واستقبالا لملائكة الرحمن.

وحتى تكون من الذاكرات الله كثيرا والذاكرات، فهي بإمكانها أن تذكر الله في كل وقت وحين، وأثناء قيامها بالأعمال المنزلية أو إرضاع أطفالها وفي كل أحوالها، إلا أنها لا بد لها من تخصيص أوقات تختلي فيها إلى الله عز وجل، تذكر، تناجي، تقوم، تقرأ القرآن وتتدبره، وغيرها من الطاعات التي تقتضي الجلوس بين يدي الله تعالى والتفرغ لعبادته.

لذلك يجدر بالمؤمنة تنظيم وقتها، واغتنام كل لحظة من يومها وليلتها، فالوقت في رمضان ليس كسائر الأيام، كما أنها باستطاعتها القيام ببعض الأعمال قبل حلول رمضان، والتي من شأنها توفير الوقت والجهد أثناءه. كما يلزم المؤمنة ضبط الوقت المخصص للطبخ، حتى لا تقضي معظم يومها في إعداد أصناف الأطعمة وكأن رمضان شهر “تناول كل ما لذ وطاب من المأكولات”، لأن الأصل في الصوم هو تقليل الطعام، وفطم النفس والجسم عن الشهوات والملذات، والإحساس بالجوع والعطش، وضبط النفس ومجاهدتها، وحتى تغنم وقتها لا بد للمؤمنة من الإقلاع عن هذه العادات السيئة وتغيير نمط الأكل تحقيقا للهدف من الصيام.

مع اقتراب الشهر الفضيل تشهد جميع القنوات هجوما شرسا على بيوتنا إشهارا للمسلسلات والأفلام الرمضانية، ما هي وصيتك للنساء، خصوصا الشابات، بخصوص ارتباطهن بالتلفاز في هذا الشهر؟

لقد ترسخ عند الكثير من الناس عموما ومن النساء خصوصا أن الصيام هو إمساك عن شهوتي البطن والفرج فقط، فهن يبحثن عن أي شيء يزاولنه ليمر النهار بسرعة ولا يحسسن بطوله.

ويجتهد الإعلام لتلبية هذه الرغبة، فيصبح شهر رمضان موسما ذهبيا لعرض الأفلام والمسلسلات التلفزيونية المغربية والأجنبية وللتسابق إلى الشهرة وإلى اكتساب أكبر عدد من المشاهدين.

لا يتسع المجال هنا للتحدث عن خطر هذا الإعلام المسموم الذي يدخل بيوتنا دون استئذان، وأثره على الأطفال وعلى الأسرة، وعلى مستقبل الأمة جمعاء، خصوصا أن المستهدف الأكبر من هذه البرامج هو المرأة والطفل صغيرا كان أو مراهقا، لكون الطفل عماد الأمة ومستقبلها، و لكون المرأة صانعة هذا المستقبل، ولكن نركز على هذا الشهر الكريم، وعلى أوقاته الثمينة التي لا تقارن بسائر أيام السنة.

فعلى المرأة، كما على الرجل طبعا ما داما شقيقين في الأحكام، أن يجاهدا نفسيهما ويكفا جوارحها عن المعاصي، بدءا بغض البصر، وكف السمع عن كل مكروه، فمن حديث حذيفة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “النظرة سهم من سهام إبليس مسمومة فمن تركها من خوف الله أثابه جل وعز إيمانا يجد حلاوته في قلبه” وأن يتقيا الله في سمعهما وبصرهما وقلبيهما، قال تعالى في سورة الإسراء إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا، وأن يشغلا نفسيهما بالعبادة وأعمال الخير ليحصل التعلق القلبي بالله عز وجل وينصرف عما سواه. ولما كان هذا الشهر من مواسم الخير الكريمة ومن أوقات الغنم العظيمة، كان قرع باب الله بالاستغفار والدعاء مطلب ملح، أن يتقبل الله الوهاب الصيام والصلاة وسائر القربات، كما تحري ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر، خاصة أنها قد لا تتاح هذه الفرصة مرة أخرى. وليراجعا دائما الحساب والعاقل من يختار ما ينفعه في الحال والمآل.

عند حلول وقت رخصة المرأة الشرعية قد تفتر بعض النساء عن العبادات، ما السبيل لتفادي آفة الفتور وجبر سقوط عبادة الصلاة والصيام عنها؟

ليس هناك ما يُجبر، لأن هذا أمر قد كتبه الله على بنات آدم، وأجر هذه العبادات لا شك ثابت مع قضاء ما فاتها من الصوم بعد انقضاء رمضان. إلا أن المطلوب، كما أظنني فهمت من السؤال، غنم بركات هذا الشهر وأوقاته كما قلت سابقا، إذ المرأة تتقرب إلى الله تعالى بالصوم والصلاة والذكر وبمختلف أعمال الخير من صدقة وصلة للرحم وخدمة للبيت ورعاية للأطفال والزوج ودعوة إلى الله عز وجل ومن إتقان لعملها إن كانت تعمل خارج البيت وخدمة لأمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بشكل عام.

وهي وإن كانت حائضا ولم تصل ولم تصم، فلا تزال أبواب سلوكها إلى الله تعالى مشرعة، تحرص على الإكثار من ذكر الله تعالى والصلاة على رسوله صلى الله عليه وسلم ودوام الدعاء والاستغفار حتى يبقى لسانها رطبا بذكر الله، هذا في رمضان وفي كل شهور السنة إلا أنها في رمضان تكون أحرص لما ذكرنا من فضل الطاعات والقربات في هذا الشهر الكريم، مصداقا لقوله تعالى من سورة آل عمران: الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ هذا بالإضافة إلى قيامها بكل عمل يقربها منه تعالى، فهي وإن لم تكن صائمة، فشهر رمضان بروحانيته وفضله لا يزال مستمرا، فلتغنم أوقاته ولتغرف من نفحاته.

ما أثر هذا الشهر على علاقة المؤمنة بعائلتها الصغيرة والكبيرة وجيرانها وكل من تتعامل معه؟ وكيف السبيل لتجديد وتنمية هذه العلاقة؟

يجود الله تعالى في هذا الشهر الكريم على عباده برحمته ومغفرته وكرمه وعطائه الكبير، فتفيض هذه الرحمة لتعم مَن أمرنا الله سبحانه ورسوله صلى الله عليه وسلم بمحبتهم وإكرامهم وحسن عشرتهم، بدءا بالوالدين والأهل والأبناء ثم الأقارب والجيران فسائر خلق الله تعالى. وفيه تكون القلوب والنفوس تواقة إلى الرحمة والمغفرة ومستعدة لكل بر، ومن تم على المؤمنة وعلى المؤمن أن يجعلا بيتهما مفعما بالطمأنينة والرحمة والسكينة، ويجعلا من حولهما يحس بعظمة هذا الشهر فيغرسا فيهم محبة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ويحببا إليهم كل عمل يقربهم إليه سبحانه وتعالى، ويتعاونا في شهر القرآن على ختمه وحفظه والتخلق به سلوكا ومعاملة.

الصدقة قربة حث عليها شرعنا الحنيف، وقد خص قدوتنا الكريم، سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، المرأة بالحث على هذا الفضل، فكيف تستثمر المؤمنة هذا الشهر للتمكين لهذه الخصلة في سلوكها اليومي؟

يقول عز وجل في سورة التوبة: خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلواتك سكن لهم والله سميع عليم.

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس بالخير، وكان أجود ما يكون في شهر رمضان، وكان جبريل عليه السلام يلقاه في كل ليلة في رمضان فيعرض عليه القرآن، فإذا لقيه كان أجود بالخير من الريح المرسلة، كما في الحديث الشريف.

فالصدقة لها فضل كبير وثواب عظيم، هي مكفرة للذنوب تزكي المؤمنة وتطهرها من الخطايا وتسمو بروحها إلى الملإ الأعلى. إلا أن فضلها في رمضان أعظم وأجرها مضاعف أضعافا كثيرة، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه الترمذي رحمه الله عن سيدنا أنس رضي الله عنه: “أفضل الصدقة، صدقة في رمضان”.

وتأسيا به صلى الله عليه وسلم، تجود المؤمنة فيه مما جاد الله تعالى عليها، وتنفق ولو بالقليل عسى أن تكون من عتقاء هذا الشهر الكريم، مستحضرة أنه سبحانه وتعالى هو من يرزقنا وينسب إلينا الأجر والثواب.

فكيف تتعامل المرأة مع فضيلة إطعام الطعام في هذا الشهر العظيم؟

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من أفطر صائما كان له مثل أجره، من غير أن ينتقص من أجره شيئا”، ومن صفات المؤمنات إكرام الضيف بالقرى والخدمة وإطعام المحتاج، فما بالك إن قمن به في رمضان.

ففي برنامجها اليومي أو الأسبوعي تستحضر المؤمنة هذه الفضيلة وتخصص لها من وقتها وقوتها ومالها، والله يأجرها على ذلك أجرا عظيما ويجزل لها العطاء.

اعتادت بعض النساء على الاجتماع مع بعضهن، كيف تجعل المرأة هذه المجالس واللقاءات قربة لله؟

بالفعل ترتاح النساء للجلوس مع بعضهن وتبادل أطراف الحديث حول أمور تستأثر باهتمامهن، وكذا لطرح همومهن اليومية، ويمكن استثمار هذه اللقاءات، خصوصا في رمضان، في ذكر الله وحفظ كتابه ومدارسته، في التذكير بفضل هذا الشهر العظيم، وسبل صيامه إيمانا واحتسابا، حتى تكون هذه المجالس منازل رحمة الله، ومثال جنة الله وملتقى ملائكة الله. روى إمامنا مسلم رحمه الله عن معاوية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج على حَلْقة من أصحابه فقال: “ما أجلسكم؟” قالوا: جلسنا نذكر الله ونحمده على ما هدانا للإسلام ومن به علينا. قال: “آللّهِ ما أجلسكم إلا ذاك؟” قالوا: والله ما أجلسنا إلا ذاك! قال: “أما إني لم أستحلفكم تُهمةً لكم، ولكنه أتاني جبريل فأخبرني أن الله يباهي بكم الملائكة”.

إلى مثل هذه المجالس تسعى المؤمنات، ويرقى طموحهن ليلتقي مع طموح الملائكة الذين أخبرنا عن حالهم ووظيفتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال في الحديث الصحيح: “إن لله ملائكة يطوفون في الطرق يلتمسون أهل الذكر، فإذا وجدوا قوما يذكرون الله تَنَادَوْا، هلُموا إلى حاجتكم! فيَحُفّونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا، قال: فيسألهم ربهم -وهو أعلم بهم-: ما يقول عبادي؟ قال: فيقولون: يسبِّحونك ويكبِّرونَك ويحمدونك ويمجدونك، قال: فيقول: هل رأوني؟ قال: فيقولون: لا والله ما رأوك! قال: فيقول: كيف لو رأوني! قال: يقولون: لو رَأوك كانوا أشدّ لك عبادة، وأشد لك تمجيدا، وأكثر لك تسبيحا. قال: فيقول: فما يسألُون؟ قال: يقولون: يسألونك الجنة!” قال: فيقول: وهل رأوها؟ قال: يقولون: لا والله يا ربّ ما رأوها! قال: فيقول: فكيف لو رأوها! قال: يقولون: لو أنهم رأوها كانوا أشدَّ عليها حرصا، وأشدَّ لها طلبا، وأعظم فيها رغبة. قال: فَمِمَّ يتعوذون؟ قالوا: يتعوذون من النار. قال: فيقول: وهل رأوها؟ قال: يقولون: لا والله ما رأوها! قال: فيقول: كيف لو رأوها! قال: يقولون: لو رأوها كانوا أشدّ منها فِرارا، وأشدَّ منها مَخافةً. قال: فيقول: أُشهدكم أني قد غفرت لهم. قال: يقول ملك من الملائكة: فيهم فُلان ليس منهم، إنما جاء لحاجة! قال: هم الجلساء لا يشقى جليسُهم”.

ولكن إن خشيت المؤمنة أن يمر اللقاء في اللغو والعبث والقيل والقال وهي غير قادرة على تغييره إلى جو إيماني تغشاه الملائكة ويذكر فيه الله، فمن الأفضل لها أن تعرض عنه وتبحث عن صحبة تعينها على التوبة وعلى التقرب منه تعالى وتدلها على مجالس الخير لتغنم منها.

للمسجد مكانة خاصة في قلوب المومنات فهل تحبذين للأم صاحبة الأطفال الصغار حضوره مع أطفالها؟

في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “لا تمنعوا نساءكم المساجد إذا استأذنّكُم إليها”.

ففي عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت المؤمنات يحضرن في المسجد (الصلوات الخمس فيتعلمن الخشوع، ويحضرن الجمعة وخطبتها فيأخذن القرآن، ويصلين على الجنازة فيتذكرن الموت وما بعد الموت، يحضرن بصبيانهن. لم يكن ضيفات عابراتٍ يفسدن الصلاة بحضورهن وضجيج صبيانهن. من حسن حظ الصبي في ذلك العصر المبارك أن الأمهاتِ الفقيرات لم تكن لهن خادمة تحرس الصبيان، فيفتح الصبي عيْنيه على السنة حيـة. ويَعطِف رسول الله صلى الله عليه وسلم -وهو أعلم بحق الله- على بكاء الصبيان في الصلاة وعلى انشغال الأمهات فَيخفف الصلاة. لا يطرد الأمهات والصبيان. قال سيدنا أنس خادم رسول الله الأمين: “كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمع بكاء الصبي مع أمه وهو في الصلاة، فيقرأ بالسورة الخفيفة”.وقال الرسول الله صلى الله عليه وسلم كما ورد عند الشيخين: “إني لأدخل الصلاة وأنا أريد أن أطيلَها، فأسمعُ بكاء الصبي، فأتجَوّز في صلاتي مما أعلم من شدة وَجْد أمه من بكائه.)لله وِجدانُ أم وشفقتُها على صبيها تلين قلب نبي الله، فيُغير ذلك الوِجدان الفطري نية نبي الله، ويُخفف الصلاةَ رحمةً من الله بالأم والصبي، وسنَّةً لنعلم أن للأمهات المؤمنات مكانهن في المسجد وحقهن فيه، لا يجادل في ذلك إلا معترض على السنة جاهل بها، مُفْتٍ برأيه!) من كتاب تنوير المومنات للإمام عبد السلام ياسين.

وفي هذا الشهر العظيم تحرص النساء على الذهاب إلى المسجد خصوصا في صلاة التراويح والوتر النبوي وللصلاة في الجماعة حيث الأجواء الإيمانية تعينها على الخشوع وتدبر كلام الله، ولكن بعض النساء يتعذر عليهن ذلك، نظرا لصغر سن أطفالهن خصوصا الرضع، أو لخوفهن عليهم من أي مكروه، وفي بعض الأحيان لحركتهم المفرطة وخشية تنجيس أرضية المسجد أو إفساد مرافقه والعبث بها وغيرها من الأعمال التي قد تحول فعلا دون خشوع الأم والمصلين، خصوصا في الصلوات التي تطول فيها القراءة، فينبغي لهؤلاء الأمهات ألا يتحسرن، بل يصلين في بيوتهن مع تعظيم النية واليقين أن الله تعالى لن يبخسهن حقهن وسوف يأجرهن على عبادتهن وعلى رعاية أطفالهن، لأن هذا باب عظيم من أبواب سلوك المرأة إلى الله عز وجل والتقرب إليه.

هذا يحيلنا إلى التكلم عن آداب المسجد عموما، بحيث تعم مساجد النساء، أحيانا، الفوضى والصراخ وتخطي الرقاب والمشاحنات على الأماكن والاستباق إلى أماكن معينة خصوصا في هذا الفصل الحار.. مما يفقد المكان سكينته وروحانيته، ما وصيتك في هذا الباب؟

نعم نجد أحيانا في مساجد النساء العديد من هذه السلوكيات الناتجة غالبا عن عدم إحاطتهن بآداب المسجد، فينبغي أن نستحضر أن المسجد بيت الله، ويتعين علينا التحلي بآداب كثيرة عند ارتياده، فإذا هممنا الدخول إليه ندعو الله أن يغفر ذنوبنا ويفتح لنا أبواب رحمته ونعظم النية، ونحرص على أن تسود السكينة والوقار والهدوء، ونتجنب حجز الأماكن لنا أو لغيرنا، فهو بيت الله ولكل عبد و أمة فيه حق، بل يجب أن نفسح للأخريات مكانا ليفسح الله لنا ويفتح علينا مصداقا لقوله تعالى في سورة المجادلة: يا أيها الذين ءامنوا إذا قيل لكم تفسحوا فى المجالس فافسحوا يفسح الله لكم، ولنتجنب كذلك كثرة الكلام في المسجد حتى وإن لم يكن فيه إثم ولنصبر حتى ننصرف ونتبادل الحديث عن أحوالنا أو عن أي موضوع آخر، أما الهمز واللمز والغيبة والنميمة فقد حرمها الله تعالى داخل المسجد وخارجه، قال تعالى في سورة الحجرات: يَا أيُّهَا َالّذينَ آمنوا اجْتَنِبُوا كَثيراً مِنْ الظّنِ إنّ بعضَ الظّنِّ إثم وِلاَ تَجَسّسُوا ولاَ يَغْتَبْ بَعْضُكم بعْضا أيُحِبُ أحدكُمْ أنْ يأكُلَ لَحْمَ أخيهِ ميْتًا فَكرِهتُمُوه واتّقُوا الله إنّ الله توابٌ رَحيمُ.

عندما تحل العشر الأواخر بما تستوجبه من الإكثار من الطاعات والقربات، وفي المقابل تزداد متطلبات الحياة (حلوى العيد، ملابس العيد للأطفال..)، فما العمل؟

لا بد أن نذكر أولا بفضل هذه الأيام المباركة التي فيها ليلة خير من ألف شهر، تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر، سلام هي حتى مطلع الفجر، فقد كان عليه الصلاة والسلام يجتهد في العشر الأواخر بالعبادة ما لا يجتهد بغيرها، يعتكف فيها ويقوم لياليها ولا يفوته وقت منها، ففي الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم “كان إذا دخل العشر أحيا الليل وأيقظ أهله وشد مئزره” رواه البخاري ومسلم.

ولاغتنام هذه الأيام ونيل فضل هذه الليلة المباركة، لا بد للمؤمنة أن تشمر وتأخذ من راحتها وتجد وتجتهد تأسيا به صلى الله عليه وسلم، فهي لا تدري إن كانت ستدركها مرة أخرى.

وكما أشرتم ففي هذه الفترة ومع اقتراب العيد، تكثر متطلبات البيت، وهذا يتطلب من المؤمنة جهدا إضافيا لتضع برنامجها اليومي وتضبط أوقاتها حتى لا تضيع، على أن تجعل الفوز بليلة القدر أولى الأولويات وتكثر من الدعاء والتضرع له سبحانه وتعالى أن يعينها على ذكره وشكره وحسن عبادته، وإن استطاعت اقتناء ما يمكن اقتناؤه والاستعداد للعيد قبل هذه الفترة يكون أفضل وأمثل.

كيف تحافظ المرأة على ما تزودت به من أعمال قلبية وجوارحية في هذا الشهر الفضيل مكسبا دائما لا تفرط فيه؟

إن رمضان ضيف غير مقيم، وهو لما بعده، هو فرصة لجهاد النفس والتمرن على العديد من أبواب الخير، حتى تصبح بإذن الله عادة في باقي الأيام، فقد تجد المؤمنة مشقة في بدايته للمواظبة على الفرائض والنوافل وقيام الليل والدعاء، ولكن بعد أن تحس بحلاوة الإيمان وسمو الروح، تخشى فراقه وتتمنى لو كانت كل الشهور رمضان. وإذا كان رمضان موسما للتوبة واستمطار الرحمة والمغفرة، فباب التوبة دائما مفتوح وفضل الذكر دائم وسبل تقرب المؤمنة لله تعالى لا تحصى، فلنحذر -بعض انقضاء رمضان- أن نعود للتهاون والتراخي والتقصير والتسويف، قال تعالى في سورة النحل وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا.

فقد دأبت أمهات المومنين والصحابيات والتابعات بعد رمضان، على مداومة الطاعات وفعل الخيرات، كما كن يترقبن أيام الفضل ليجددن نشاطهن للتقرب منه سبحانه وتعالى ويقتحمن العقبات، ابتداء من شوال، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال فيما رواه مسلم رحمه الله: “من صام رمضان وأتبعه ستا من شوال كان كصيام الدهر”.

وقد يكون دوام الحال من المحال، ولكن ينبغي ألا تضيع المؤمنة ما غنمته خلال هذا الشهر الفضيل، والنفحات الربانية التي تعرضت إليها، بل تحرص على مداومة ما استطاعت من الطاعات وإن قل كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه: “أيها الناس أكلفوا من العمل ما تطيقون فإن الله لا يمل حتى تملوا، وإن أحب الأعمال إلى الله ما دُوِم عليه وإن قل”، وما سيساعدها على ذلك هي صحبة صالحة ترفع همتها وتقوي عزيمتها وتدلها على الله عز وجل.

نسأل الله تعالى أن يتقبل منا ومنكم صيامنا وقيامنا ودعاءنا ويجعلنا من عتقاء هذا الشهر الكريم، آمين والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.