انتهت العشر الأوائل من الشهر الفضيل، عشر الرحمة، ونقصت من أعمارنا وسبقتنا إلى الآخرة، قال الحسن البصري رحمه الله: (يا ابن آدم إنما أنت أيام كلما ذهب يوم ذهب بعضك) نسأله سبحانه أن يقبلنا ويتقبل منا، ويشملنا بكامل رحماته. وبدأت عشر المغفرة، باب كبير للتوبة والإنابة فتح، فهل من داخل؟ هل من مستفيد؟ ها من محتاج للتطهر وغسل الدرن؟ هل من منكسر متضرع يرجو العفو والصفح والخلاص؟

جاءكم المطهر، فرمضان شهر المغفرة، وتبييض الصحائف بامتياز، شهر تتبدل فيه السيئات حسنات، فاغنم هذه العشر بصقل قلبك من كل الشوائب، صوما عن كل ما يبعدك عن المولى، وقياما بين يدي الله باكيا شاكيا له، مستغفرا متضرعا وبعد ذلك شاكرا، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى عليه وسلم قال: “من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غُفر له ما تقدم من ذنبه”، وعنه قال: “من قام رمضان إيمانا واحتسابا غُفر له ما تقدم من ذنبه” 1.

فخاب وخسر وأبعد من فاته رمضان ولم يغفر له، كيف حرم فضله العميم، نسأله سبحانه أن يمن علينا بالقبول، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: “قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ ذكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ، وَرَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ دَخَلَ عَلَيْهِ رَمَضَانُ فَانْسَلَخَ قَبْلَ أَنْ يُغْفَرَ لَهُ، وَرَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ أَدْرَكَ عِنْدَهُ أَبَوَاهُ الْكِبَرَ فَلَمْ يُدْخِلاهُ الْجَنَّةَ” 2 وعنه رضي الله عنه “أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَعِدَ الْمِنْبَرَ، فَقَالَ: “آمِينَ، آمِينَ، آمِينَ”، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّكَ حِينَ صَعِدْتَ الْمِنْبَرَ، قُلْتَ: آمِينَ، آمِينَ، آمِينَ؟ قَالَ: “إِنَّ جِبْرِيلَ أَتَانِي، فَقَالَ: مَنْ أَدْرَكَ شَهْرَ رَمَضَانَ فَلَمْ يُغْفَرْ لَهُ فَدَخَلَ النَّارَ، فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ، قُلْ: آمِينَ، فَقُلْتُ: آمِينَ، وَمَنْ أَدْرَكَ أَبَوَيْهِ، أَوْ أَحَدَهُمَا، فَلَمْ يَبَرَّهُمَا، فَمَاتَ، فَدَخَلَ النَّارَ، فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ، قُلْ: آمِينَ، فَقُلْتُ: آمِينَ، وَمَنْ ذُكِرْتَ عَنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْكَ، فَمَاتَ فَدَخَلَ النَّارَ، فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ، قُلْ: آمِينَ، فَقُلْتُ: آمِينَ””.

فمحروم ومنبوذ من أدرك رمضان ولم يغفر له رغم سعة مغفرة الله وعفوه في هذا الشهر الفضيل، إلا من أبى أن ينيب ويرجع ويستغفر ويتوب. عَنْ أَنَسٍ رَضِي اللهُ عَنْهُ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقولُ: “قَالَ اللهُ تَعَالَى: يَا ابْنَ آدَمَ، إِنَّكَ مَا دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ مِنْكَ وَلاَ أُبَالِي، يَا ابْنَ آدَمَ، لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ، يَا ابْنَ آدَمَ، إِنَّكَ لَوْ أَتَيْتَنِي بِقُرَابِ الأَرْضِ خَطَايَا ثُمَّ لَقِيتَنِي لاَ تُشْرِكُ بِي شَيْئًا لأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً” 3.

فالله سبحانه عز وجل يحب العبد الملحاح، الواقف بالباب الطالب الراغب، المنيب، يحب سماع صوت عبده المومن، وسعة مغفرته للمذنب كبيرة وشاملة، ما وفقك للاستغفار إلا ليغفر لك ولو كنت عاص، قال الله تعالى وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا‏ 4 وعن أنس رضي الله عنه “إذا رفع العبد يديه للسماء وهو عاص فيقول يا رب فتحجب الملائكة صوته فيكررها يا رب فتحجب الملائكة صوته فيكررها في الرابعة فيقول الله عز وجل: إلى متى تحجبون صوت عبدي عني لبيك عبدي لبيك عبدي لبيك عبدي لبيك عبدي” 5 فلا تقنط ولا تيأس فالمولى كريم غفار غفور عفو ويحب العفو، وكن الصبي مع والديه، لا يسكت حتى تقضى حاجته، وارفع يديك واطلب واغنم موسم نفحات عشر المغفرة. قال تعالى إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ 6.

فسابق أخي وسارع إلى مغفرة من ربك تطهر بها درن قلبك وتسمو بها روحانية سرك لطلب ما عند الله وطلب وجه الله. قال الله تعالى: سَابِقُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ 7 وقال عز من قائل: سَابِقُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ 8.

قال الشافعي:

طالع أيضا  رمضان: شهر لا كالشهور

ولمَّا قَسَا قلبي وضاقتْ مذاهبي *** جعلتُ رجائي دون عفوِكَ سُلَّما

تعَاظَمَني ذَنـْبي فلمـَّا قرنـْتُهُ *** بِعـفوِكَ ربِّي كان عـفوُكَ أعظَمـَا

فما زِلْتَ ذا عفوٍ عن الذَّنْبِ لم تَزَلْ *** تجـُودُ وتـَعْفُو مِنّـَةً وتـكرُّما

فإنْ تنتقمْ منّي فلستُ بآيـس *** ولو دخلت نفسي بجرم جهنما

ولوْلاكَ لمْ يـغو بإبْـليسَ عـابدٌ *** فكيف ًوقد أغوى صفيك آدَمَـا

وإنِّي لآتي الـذنْب أعْرفُ قـدْره *** وأعلـم ُأنَّ الله يعـفـوُ تـكرما 9

أكرمنا الله وإياكم بواسع رحمته وشملنا بعفوه وغفرانه وكامل رضوانه. آمين والحمد لله رب العالمين.

 


[1] رواهما البخاري ومسلم.
[2] رواه أحمد ومسلم والترمذي.
[3] رواهُ التِّرْمِذيُّ، وقالَ: حديثٌ حَسَنٌ صحيح.
[4] سورة النساء: 110.
[5] الترمذي. وورد في الإحياء للغزالي.
[6] سورة النجم: 32.
[7] سورة الحديد: 21.\
[8] سورة آل عمران: 133.
[9] صفة الصفوة (2/258) لابن الجوزي، سير أعلام النبلاء (10/76).