رمضان شهر التقوى والإحسان

فرض الله جل وعلا صيام شهر رمضان على عباده ليكون لهم بابا وجسرا يسلكونه لبلوغ مقام التقوى، قال تعالى: يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون (البقرة 183)، فالعلة من الصيام هي بلوغ مقام التقوى، و”لعل” تفيد الرجاء، والرجاء إنما يكون فيما وقعت أسبابه، من حسن النية والعمل الصالح.

ولقد رغب الحق جل وعلا عباده في كثير من أعمال الخير من صيام وقيام وتلاوة للقرآن قربة للمولى عز وجل، و مصدرا لواردات الأنوار التي تصقل القلب وتطهره وتنيره. وتعتبر الصدقة والإنفاق من أعمال الخير التي رغب فيها الحق جل وعلا، وحرص رسوله محمد صل الله عليه وسلم على الاستزادة منها في شهر رمضان، استجابة وتزلفا لمولاه. روى الشيخان عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏قَالَ:‏ “كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَجْوَدَ النَّاسِ وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ ‏ ‏جِبْرِيلُ ‏ ‏وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ فَلَرَسُولُ اللَّهِ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَجْوَدُ بِالْخَيْرِ مِنْ الرِّيحِ ‏ ‏الْمُرْسَلَة”.‏

ولقد ربط الله جل وعلا في كتابه العزيز بين الإنفاق والتقوى والإحسان في آيات عديدة للتدبر كقوله تعالى: لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (المائدة 93)، وقوله تعالى: لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ (الحج 37). وقوله تعالى: وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (البقرة 195). وقوله تعالى وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (الزمر 33).

لا صدق إلا ببرهان العطاء ومن كان صادقا، كان متقيا، ومن كان صادقا ومتقيا كان محسنا، ومن كان محسنا كان له من الأجر عند الله ما الله به عليم، بل له ما يشاء، عند من؟ عند الذي عنده خزائن كل شيء، عند من يقول للشيء كن فيكون، عند القدير، عند من عنده الجنة وملكوت السموات والأرض، عند الله .ومن كان محسنا فاز بالله ومن فاز بالله فقد نال أعظم ما يريده المؤمن ويرجوه.

فضل الصدقة في رمضان

إن أعمال البر وشعب الإيمان تثمر أجرا وأنوارا تتعاظم بحسب عظمة الزمان والمكان والحاضرين فيها، فالصلاة في الحرمين يفوق أجرها، أجر الصلاة في ما سواهما، وقيام ليلة القدر لا يعادله القيام في غيرها، والصلاة في الجماعة تفضل صلاة الفرد، والإحسان إلى الوالدين والأقربين أعظم عند الله من الإحسان إلى غيرهما. والإنفاق والجود في رمضان لا يساويه ما كان خارج رمضان، لذلك كان الحبيب صل الله عليه وسلم أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي شهر رَمَضَانَ.

لقد كان رسول الله صل الله عليه وسلم أجود الناس وأكرم الناس، يعطي عطاء من لا يخشى الفقر، كان عليه الصلاة والسلام كالريح المرسلة، كله رحمة وبركة على الخلق أجمعين. وكذلك صحابته الكرام. هذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه يعطي نصف ماله، وهذا أبو بكر رضي الله عنه يعطي ماله كله، فيسأله رسول الله صل الله عليه وسلم: “ماذا تركت لأهلك”؟ فيجيبه رضي الله عنه: تركت لهم الله ورسوله. وكان من الصحابة من لا يجد ما ينفق فيحمل مقابل أجر ينفقه في سبيل الله حتى لا يحرم أجر الصدقة والإنفاق.

خلق اقتبسوه من القدوة العظمى صل الله عليه وسلم الذي قيل عنه، إنه لم يقل لا لمن سأله، ولولا “لا” في التشهد لكان كل قوله صلى الله عليه وسلم “نعم” ، تلك “لا” التي حورب من أجلها لأنها تقر الحاكمية لله لا لسواه، وتعلن العبودية لله وحده لا شريك له، “لا” التي تنتصب في وجه الظالمين الذين يتألهون على الخلق ويأكلون أموال الناس بالباطل، وينفقونها ليضلوا عن سبيل الله ويحاربوا الله ورسوله، وشتان بين من ينفق ماله في سبيل الله لإعلاء كلمة الله والإحسان لخلق الله، وبين من ينفقه ليحارب الله ورسوله وليضل عن سبيله.

أوجه الصدقة في رمضان

وللإنفاق في سبيل الله في رمضان أوجه متعددة من أعظمها إطعام الطعام تفطير الصائم، فإطعام الأحباب والأصحاب قربة كبيرة عند الله لما فيها من تودد وتحبب للمومنين يكون سببا في المحبة بينهم وهي بوابة الإيمان والجنة، والأسمى من ذلك الفوز بالله جل وعلا. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: “لَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا بِي، وَلَنْ تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَلا أُخْبِرُكُمْ بِشَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ، أَفْشُوا السَّلامَ بَيْنَكُمْ”. ويقول الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله: (يبقى إطعام الطعام على صعيد الحياة اليومية بين المؤمنين سنة نبوية ونستبدل بالموائد العادية في حياة الغافلين والراتعين، الحافلة بالأطايب من كسب يعلمه الله، سفرة الأخوة على القناعة والاكتفاء. فإن الاشتراك في الطعام، وبالآداب النبوية، مما يؤلف الله به القلوب).

وإذا كان هذا في حق الأحباب والأصحاب فهو في حق الأهل والأقارب أولى، فليس من رسول الله صل الله عليه في شيء من ينفق على الأحباب والأصحاب، ويقتر ويضيق على الأهل والأولاد، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي”.

وتزداد عظمة إطعام الطعام عندما يكون تفطيرا للصائم؛ قال رسول الله صل الله عليه وسلم:‏ “من فطر فيه صائمًا؛ كان كفارة لذنوبه، وعتق لرقبته من النار، وكان له من الأجر مثل أجر الصائم من غير أن ينقص من أجره شيئًا‏” رواه الترمذي‏‏‏.

ومن الإنفاق في رمضان زكاة الفطر، ففي حديث ابن عباس رضي الله عنه قال: “فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث وطعمة للمساكين” رواه أبو داود.

وقد فضل بعض العلماء إخراج زكاة المال في رمضان إذا مر عليه الحول شريطة ألا يؤخرها ولا بأس في تقديمها، لما في إخراج الزكاة في شهر رمضان من فضل وبركة، حتى تتحقق الطهارة والتزكية. يقول سبحانه وتعالى: خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ.

ومن أوجه الصدقة ما رواه البخاري رضي الله عنه في صحيحه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “تبسمك في وجه أخيك لك صدقةٌ وأمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر صدقةٌ وإرشادك الرجل في أرض الضلال لك صدقةٌ وبصرك للرجل الرديء البصر لك صدقةٌ، وإماطتك الحجر والشوك والعظم عن الطريق لك صدقةٌ وإفراغك من دلوك في دلو أخيك لك صدقةٌ”.

وليس من الصيام في شيء الرفت وقول السوء، بل من الإنفاق الإعراض عن الجاهلين بأن ينفق الصائم من صفحه وعفوه، ويتصدق بعرضه. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: “الصِّيَامُ جُنَّةٌ فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَجْهَلْ وَإِنْ امْرُؤٌ قَاتَلَهُ أَوْ شَاتَمَهُ فَلْيَقُلْ إِنِّي صَائِمٌ مَرَّتَيْنِ”. روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه حث يوما على الصدقة فقام علبة بن زيد فقال: ما عندي إلا عرضي فإني أشهدك يا رسول الله أني تصدقت بعرضي على من ظلمني. ثم جلس فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك: “أين علبة بن زيد”؟ قالها مرتين أو ثلاثا، فقام علبة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أنت المتصدق بعرضك؟ قد قبل الله منك”.

وذكر ابن القيم رحمه الله في مدارج السالكين، أن الجود عشر مراتب، سابعها الجود بالعرض، كجود الصحابي أبي ضمضم رضي الله عنه، كان إذا أصبح قال: اللهم لا مال لي أتصدق به على الناس وقد تصدقت عليهم بعرضي فمن شتمني أو قذفني فهو في حل. فقال المصطفى صلى الله عليه وسلم: “من يستطيع منكم أن يكون كأبي ضمضم”.

وقال ابن القيم رحمه الله: يا ابن آدم إن بينك وبين الله خطايا وذنوب لا يعلمها إلا هو.. وإنك تحب أن يغفرها لك الله، فإذا أردت أن يغفرها لك فاغفر أنت لعباده.. وإذا أحببت أن يعفوها عنك فاعف أنت عن عباده.. تعفو هنا يعفو هناك.. تنتقم هنا ينتقم هناك.. تطالب بالحق هنا يطالبك بالحق هناك..

فضائل الصدقة وفوائدها

وللصدقة فوائد وفضائل تعظم في الشهر العظيم، شهر رمضان، فالصدقة برهان صدق العبد، قال تعالى: قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين (النمل 64)، وإنها تطفئ غضب الله سبحانه وتعالى كما في قوله: “إن صدقة السر تطفئ غضب الرب تبارك وتعالى”، كما أنها تمحو الخطيئة، قال صل الله عليه وسلم: “والصدقة تطفئ الخطيئة كما تطفئ الماء النار”، وأنها وقاية من النار كما في قوله عليه السلام: “فاتقوا النار، ولو بشق تمرة”، وفي الصدقة دواء للأمراض البدنية والقلبية، قال عليه السلام: “داووا مرضاكم بالصدقة”، وقال أيضا: “إذا أردت تليين قلبك فأطعم المسكين، وامسح على رأس اليتيم”، وكفى بالصدقة منزلة أن يكون صاحبها في ظلها يوم القيامة أو تحت ظل عرش الرحمان، كما جاء في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: “كل امرئ في ظل صدقته، حتى يقضى بين الناس”. ومن السبعة الذين يظلهم الله بظله يوم لا ظل إلا ظله رجل تصدق بيمينه حتى لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه. كما أن الصدقة يدفع الله بها أنواعاً من البلاء كما في وصية يحيى عليه السلام لبني إسرائيل: (وآمركم بالصدقة، فإن مثل ذلك رجل أسره العدو فأوثقوا يده إلى عنقه، وقدموه ليضربوا عنقه فقال: أنا أفتدي منكم بالقليل والكثير، ففدى نفسه منهم).

إن المنفق يدعو له الملك كل يوم، بخلاف الممسك وفي ذلك يقول عليه السلام: “ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقاً خلفاً، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكاً تلفاً”. إن صاحب الصدقة يبارك له الله في ماله ويضاعفه له، قال تعالى: مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ. الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُوا مَنّاً وَلا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (البقرة 261-262) فالمال لا ينقص من صدقة وقد قال حاتم الطائي:

فلا الجود يفنى المال قبل فنائه *** ولا البخل في المال الشحيح يزيد

فلا تلتمس بخلا بعيش مقتر *** لكل غد رزق يعود جديد

ألم تر أن الرزق غاد ورائح *** وأن الذي يعطيك سوف يعود

هذا فضل الصدقة والإنفاق في سبيل الله في كل الأوقات، فكيف سيكون فضلها في الوقت المبارك كرمضان الأعظم؟ وعلى الحال الأفضل، حال الصيام؟ روى الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “كل عمل ابن آدم له: الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، قال الله تعالى: إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به، ترك شهوته وطعامه وشرابه من أجلي، للصائم فرحتان، فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه، ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك”.

اللَّهُمَّ إِنًّا نُعوذُ بكَ مِنَ الهمِّ والحزن، ونعوذُ بكَ منَ العجزِ والكسلِ، ونعوذُ بكَ مِنَ الجُبنِ والبُخلِ، ونعوذُ بكَ منَ من غَلَبةِ الدَّينِ وقهرِ الرِّجال. آمين.