لدي صديق لا يشرب الخمر لأنه يصلي، لذلك فهو يدخن الحشيش. لم يترك الصلاة منذ صغره وحين داهمته المراهقة ورفاق السوء، لم يقترب من الخمر ولكنه جرب الحشيش. حجته في ذلك الظروف والمشاكل التي يتهرب منها مع كل نفس مخدر. أكثر ما يزعجه في رمضان ليس الامساك عن الطعام انما الامساك عن التدخين.

بخلاف صديق آخر يصلي لكنه لا يشرب الخمر إلا اذا انتهى من صلاة العشاء، حتى لا يقرب الصلاة وهو من السكارى. لذلك فهو يعظم شهر رمضان ويتوقف عن شرب الخمر أربعين ليلة قبل شهر الصيام سائلا الله التوبة والمغفرة والعفو. صديق آخر علاقته بالمسجد وطيدة عكس علاقته مع أمه التي ينهرها بقوة كلما شاهدها تتابع أحد المسلسلات الرمضانية في التلفزيون ويقول لها “أف” ولا يقول لها قولا كريما. ولدي صديق آخر، أقربهم إلى قلبي لأنه من أطيب خلق الله، مبتسم دائما وذو خلق وبار بوالديه ولا يدخن أو يعاقر الخمر ولكنه لا يصلي.

 هؤلاء الأصدقاء وغيرهم كثير، يشكل قدوم رمضان بالنسبة إليهم فرصة سنوية ينتظروها بكل صبر من أجل الإقلاع عن ذنوبهم التي يسألون الله أن يمحوها ويغفرها وأن يعفو عنهم. يخبرونني كلما أصابتهم نوبة ندم، أن رمضان القادم سيقلعون عن الحشيش والخمر وسخط الوالدين وسيبدؤون الصلاة.

أتأملهم دائما مع كل حضور لرمضان. نلتقي في المسجد ونحس جميعنا بأمل بعيد يستيقظ في قلوبنا.. ففي حياة كل منا محطات، يشعر فيها أن دوامة الحياة أخذته، وأذهلته عن ذاته الحقيقية. حتى أصدقائي الملتزمين أحس بهم يجتهدون أكثر وينكبون على ختم القرآن ويستزيدون من نفحات الشهر الفضيل.

فلا يكاد شهر رمضان يقترب بأنواره حتى يجيش في النفس شعور بالبهجة والفرح‏.. ورغم أن الشهر يحمل أمرا بصوم النهار والامتناع خلاله عن الأكل‏ والشرب وقيام الليل والهجران المؤقت للنوم‏..‏ رغم أن الشهر يستلزم جهدا في النهار وعناء في الليل‏، نرى الناس تستشعر الفرح لقدومه‏…‏ وهم على حق في ذلك‏…‏ ذلك أن شهر رمضان يحمل أسباب الفرح للأطفال والشباب والكبار معا‏، ولسوف يقدم لكل واحد منهم نفحة من نفحاته‏..‏

هو شهر كريم‏…‏

أطلق كلمة الكرم بشكل لانهائي وسوف تجدها صفة من صفات شهر رمضان. تأمل الناس وهي تتبادل التهاني وتابع صفحات الفايسبوك والواتساب كيف تكتظ بالتبريكات والأماني وانظر إلى الكم الهائل من رسائل الجوال ومكالمات الليلة الأولى من رمضان. إن كرم رمضان يصل إلي الجميع بمجرد حلول الشهر‏… ‏من كان يريد اللعب والحلوى من الأطفال فسوف يعثر في هذا الشهر على مراده‏…‏ ومن كان من هواة الرياضة فسيجد الوقت لذلك، ومن كان ممن يريد حفظ القرآن فسوف يجد بغيته هذا الشهر‏…‏ ومن كان من هواة الأكل والشباكية والحريرة فسوف يجد على مائدة الشهر كل ما يريده.

هو عبادة جماعية يجد المرء لذتها في اشتراكه مع الآخرين في معاناتها وروحانياتها لأنه سير جماعي إلى الله. فكل سنة يمنحنا رمضان لحظات خاصة جدا نتذوق فيها معاني روحية خالصة، نتوقف أمامها طويلا، قد نأخذ منها نبراسا لسلوكنا في طريق الله، وقد نسعد بها في وقتها ثم ننساها بعد ذلك، ونعود إلى سيرتنا الأولى.

قد يكون أصدقائي كثيري السيئات مثلي، وأنا أرذلهم، ولكن هذا لا يمنع أن نحمد الله كثيرا أن منحنا رمضان. شهر كريم مبارك هو فرصة ذهبية كبيرة قد لا تتجدد للتكفير عن ذنوبنا وزﻻتنا وقلة حيلتنا.

 يقول الرحمن الرحيم: “شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هذى للناس وبينات من الهدى والفرقان”. يقول صلى الله عليه وسلم في الحديث: “جاءكم شهر رمضان شهر بركة، يغشاكم الله فيه، فينزل الرحمة، ويحط الخطايا، ويستجيب الدعاء، ينظر الله إلى تنافسكم فيه فيباهي بكم ملائكته، فأروا الله من أنفسكم خيراً، فإن الشقي من حُرم فيه رحمة الله”.