يقول فقيه المقاصد الدكتور أحمد الريسوني، في مقالة له بعنوان “مدرسة رمضان تفتح أبوابها”:

ها هي مدرسة رمضان تفتح أبوابها كالمعتاد، في موعد سنوي لا يتخلف منذ تأسيسها في السنة الثانية من الهجرة النبوية، وهي السنة التي فرض فيها الصوم في الإسلام. أي أنها منتظمة منذ أربعة عشر قرنًا و30 سنة.

إن شهر رمضان وصيام رمضان مدرسة حقيقية للتربية والتعبئة والتكوين والتدريب، ولو بحثنا لوجدنا جميع المتدينين مدينين في صلاحهم وتدينهم لمدرسة رمضان؛ فإما فيها بدأ تحولهم والتزامهم، وإما بفضلها يرمِّمُون ما يتضعضع من أحوالهم، وإما فيها يجددون عزائمهم، وإما في أجوائها يرتقون في مراتبهم.

مدرسة رمضان -كما هو معلوم- لا تستمر سوى شهر واحد، ولكنها تقدِّم مواد دراسية وتدريبات عملية مكثفة، بمستويات عالية الجودة والفعالية؛ مما يجعل الشهادة المحصلة للناجحين تفوق في قيمتها الشهادات المحصل عليها في سنة كاملة، أو حتى في عدة سنوات من الدراسات العادية.

ومقصود هذه المادة هو تمكين الصائمين من تحصيل التقوى وتدريبهم على ممارستها، وهو المقصد الذي أشارت إليه الآية الكريمة يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة: 183].

والتقوى في جوهرها منهج سلوك يتسم باليقظة والانتباه والاحتياط، ومقتضاه أن الإنسان عند كل خطوة يريد أن يقدم عليها: ينظر فيها، وينظر حواليها، وينظر ما قبلها وما بعدها.. وبعد ذلك يُقدِم عن بيِّنة ويمشي على بصيرة. وبيان هذا ومثاله ما روي “أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، سأل أبيَّ بنَ كعب عن التقوى؟ فقال له أُبيُّ: أما سلكت طريقًا ذا شوك؟ قال: بلى. قال: فما عملتَ؟ قال: شمرت واجتهدت. قال: فذلك التقوى”.

ومِثلُه عن أبي هريرة: “أن رجلاً قال له: ما التقوى؟ فقال: هل أخذتَ طريقًا ذا شوك؟ قال: نعم. قال: فكيف صنعت؟ قال: إذا رأيتُ الشوك عدلتُ عنه، أو جاوزته، أو قصُرت عنه. قال: ذاك التقوى”.

وقد نظّم الشاعر هذا المعنى بقوله:

خَـلِّ الذنوب صغيـرَهـا *** وكبيـرَهـا.. ذاك التُّـقَى

واصنع كمـاشٍ فـوق أر *** ض الشوك يحـذر ما يـرى

فالصائم حين يصبح ويظل حذرًا متيقظًا؛ خشية أن يتناول ما يفسد صومه، من جرعة ماء، أو حبة تمر، أو لقمة طعام… وحين يغفل لحظة ثم ينتبه فيسحب الطعام أو الشراب من بين شفتيه، وحين يمسي خائفًا متوجسًا أن ينطق بكلمة غيبة أو كذب أو شهادة زور… وحين يغدو صارفًا سمعه وبصره عن هذه وتلك وهذا وذاك… وحين يُغضبه أو يستفزه أحد فتـثور ثائرته، لكنه يتذكر ويقول: اللهم إني صائم… وحين يهُمُّ بكسب حرام ثم يخاف على نفسه وعلى صيامه… حينئذٍ يكون فعلاً “كَمَاشٍ فوق أرض الشوك يحذر ما يرى”. وتلك هي التقوى، وهو المعنى الذي يعبر عنه المغاربة بالمشي على البيض.