يواصل الأستاذ عبد الكريم العلمي قراءته في كتاب الإحسان للإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله. وفي هذه الحلقة الثامنة والعشرين من “مجالس الإحسان” يتحدث عن “ولادة القلب”، فيقول:

لماذا قراءة كتاب الإحسان؟

عندما كتب الأستاذ المرشد رحمة الله عليه كتاب الإحسان كان همه أن يدل على الله وعلى أعلى مراتب الدين وهي أن تعبد الله كأنك تراه، ولكن هل تكفي القراءة ويكفي الاطلاع؟

الإمام رحمه الله كتب الكتاب للملتاعين وذوي الهمم العالية من المؤمنين والمؤمنات. يقول رحمه الله: “أنا أسعد الناس إذاً إن حصل في ميزان حسناتي أفواج من المحسنين كنت لهم صوتا يقول: من هنا الطريق، من هنا البداية”.

وفي رسالة بعث بها الإمام المجدد لإخوان يحفظون القرآن قال لهم:

“بين أيديكم إخواني كتاب الإحسان، فيه وصف ما ينبغي وكيف ما ينبغي”. ونتذكر أن الأستاذ المرشد يتحدث عن الوصف والاتصاف. المرجو والمقصود والمأمول هو الاتصاف ولكن الوصف يقرب.

ويضيف: “لكن العمل والصبر والصدق في الطلب أمر آخر تساعد عليه الصحبة ويساعد عليه التناصح بينكم ويساعد عليه الذكر ثم الذكر ثم الذكر”.

وهذه لازمة دائمة أبدية: الصحبة والجماعة.

وليس في هذا الأمر دعوة إلى الانزواء، فلا بد أن تخرج بهذا النور إلى أمة رسول الله صلى الله عليه وسلم. خاصة أن الأستاذ المرشد رحمه الله رغم أنه يستند إلى كثير من نصوص الأولين فالكتاب كتاب للمستقبل ربطا بالنموذج الأعظم نموذج الصحابة رضي الله عنهم في حضن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

في مجلسنا الثامن والعشرين نتناول المبحث الثامن من فصل الصحبة والجماعة. وعنوانها: “ولادة القلب”. وهذه الفقرات في صعد وترق.

يمكن تقسيم هذا المبحث إلى ثلاثة عناوين:

الأول: المقصد الذي يريده السالكون الصادقون من صحبة أولياء الله الكمل.

الثاني: السبيل إلى تحقيق هذا السبيل العالي الغالي.

الثالث: مراتب المشيخة.

وفي هذه العناوين الثلاثة الأستاذ المرشد كعادته يزاوج بين نصوص لأئمة القوم ونصوص للعلماء العاملين الذين هم على قدر مشترك مع أئمة السلوك رحمة الله على الجميع.

يستهل الإمام المرشد رحمه الله هذا المبحث بالدعاء:

“بسم اله الرحمن الرحيم. «رب أنزلني منزلا مباركا وأنت خير المنزلين». اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها وأجرنا من خزي الدنيا ومن عذاب الآخرة”.

ثم يبدأ هذا المبحث بطبقات الناس فيقول:

“موتى هم أكثر من في الأرض، على رَشْحَةٍ من حياة هو المسلم الغارق في لُجَّةِ الدنيا، على رجاء في الحياة الآخرة هو المومن الذي تاب وعمل صالحا. الأحياء عند ربهم هم الشهداء قتلوا في سبيل الله. وللأولياء حياة مثلها معجَّلةٌ قبل مفارقة الروح الجسد. لهم ميلاد قلبيٌّ ووجود جديد. على هذا شُدَّ يَدَكَ. واعلم أن الشيخ الكامل أبٌ لروحك إن عثرت عليه وأحبَبْته وصحبته وكان لك عنده من الله وديعةٌ سبقت إليك بها الحسنى من المنعم المتفضل الوهاب سبحانه. كل ما سمعته من أن الشيخ كإمام الصلاة أو بمثابة طبيب مرشد يمكن أن يطابق حال طالب الاستقامة، يتمسح بشيخ على مَسْحَةٍ من صلاح، يتمسح قبرٌ بقبرٍ، يسيرُ ميِّتٌ في جنازة ميت”.

ويقول: “على هذا شُدَّ يَدَكَ”، رغم أن الناس “سيَسْلِقُونَكَ بألسنة حدادٍ”.

ثم يتحسر الإمام على الناس الذين يستخفون بكلام الرجال:

“ويا حسرتا على من يستخفّ بكلام الرجال، يفنون عمرهم في تحقيق الطريق ليُدْلوا لك بشهادتهم ويقدموا لك النصح الخالص على طبق! يا حسرتا على من لم يسمع! ويا حسرتا على من لم يذق! ويا حسرتا على من لم يشمَّ حتى الرائحة لأنه استغشى ثيابه لمّا جاءته كلمة النصح، وجدها مرة”.

ويقدم لنص لابن القيم:

“قال: “فوا أسفاه! وا حسرتاه! كيف ينقضي الزمان، وينفد العمر والقلب محجوب، ما شمَّ لهذا رائحة. وخرج من الدنيا كما دخل إليها وما ذاق أطيب ما فيها، بل عاش فيها عيشة البهائم، وانتقل منها انتقال المفاليس. فكانت حياته عجزاً، وموته كمداً، ومعاده حسرةً. وا أسفا! اللهم فلك الحمد، وإليك المشتكى، وأنت المستعان، وبك المستغاث، وعليك التُكْلان، ولا حول ولا قوة إلاّ بك”.

ويلتفت الإمام المرشد إلى السلوك الجماعي:

“بهذا الميلاد المعنوي يُدخِل المريدَ عالم الملكوت مع رفاقه وَلِدَاتِه وإخوتِه في الشيخ، إخوته في الله”.

وهنا يؤكد الأستاذ المرشد على الصحبة والجماعي وإلى السلوك الجماعي فيقول:

“بهذا الميلاد المعنوي يُدخِل المريدَ عالم الملكوت مع رفاقه وَلِدَاتِه وإخوتِه في الشيخ، إخوته في الله”. ثم يورد كلام الشيخ السهروردي في “عوارف المعارف”:

“والمشايخ منهم من يكثر أولاده ويأخذون عنه العلوم والأحوال ويُودِعُونَها غَيْرَهم كما وصلت إليهم من النبي صلى الله عليه وسلم بواسطة الصحبة. ومنهم من تقل أولاده. ومنهم من ينقطع نسله”.