مع الشباب.. الحلقة الثالثة: “الشباب والعبادة في رمضان”

لشهر رمضان الكريم شأن عظيم عند الأمة الإسلامية، لكونه الشهر الذي خصه الله تعالى بمنزلة عظمى بين الشهور، وذلك يتجلى في تميزه بعبادة الصيام والقيام تقربا إلى الخالق جل شأنه، وفرصة للفرد ليزيح عنه ثوب التكاسل والتقصير ويرتدي توب الاجتهاد ويشمر عن ساعد الطاعة تقربا إلى الله عز وجل، ببرنامج تعبدي يومي ينطلق من أداء مختلف الصلوات في وقتها مع الجماعة وقراءة القرآن وصولا إلى سائر أنواع القربات والطاعات.

وبقدر ما لرمضان من مكانة جليلة في الإسلام، فللشباب شأن جليل أيضا في هذا الدين الذي حثه على اغتنام هذه المرحلة العمرية بشكل إيجابي وبناء شخصية إسلامية متزنة لما في ذلك من صلاح للأمة بصلاح سلوكه، إذ كلما وعت هذه الفئة الحيوية بقضيتها ومشروعها وأولوياتها كان فعلها مثمرا يعود بالفائدة لأمتها، تقول الأستاذة فرح بونخلة الكاتبة والباحثة في شؤون الشباب في حديث لموقع الجماعة.نت “حَظِيَ الشباب بمكانة عظيمة في الإسلام إذ أنه ركيزة الأمة ودعامتها الأساس، وقد أوصى بهم رسول الله صلى الله عليه و سلم خيرا، وكلفهم بمهام جسام، كمصعب بن عمير حين بعثه كأول سفير للإسلام، وأسامة ابن زيد قائدا للجيش وعمره لم يتجاوز حينها 18 سنة؛ وقد حث الله عز وجل الشباب على عبادته حيث جاء في وصية لقمان لإبنه وهو يعظه يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا أَصَابَكَ ۖ إِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ سورة لقمان الأية 17، ومن يتأمل فريضة الصلاة يُدرك أنها تعود على الشباب بفضائل كثيرة منها التعود على مراقبة الله تعالى، والانتهاء عن الفواحش والمنكرات…”.

واستطردت فرح في التصريح ذاته “إلا أنه في واقعنا اليوم حجم الفتن المحيطة بالشباب أصبحت تشوش على عبادته لله تعالى عبادة سليمة، وكذا التنشئة الأسرية الخالية في بعض الأحيان من التوجيه والتربية على عبادته سبحانه عبادة تليق بمقامه، إلى جانب التضليل الإعلامي، أصبحا يساهمان في عدم معرفة الكثير من الشباب للغاية من خلقهم في هذه الدنيا”.

برنامج تعبدي وسط الانشغالات

في ظل الانشغالات التي صارت تلتهم وقت الفرد يوميا وبشكل لا يرحم، استقى موقع الجماعة.نت آراء بعض الشباب حول برنامجهم التربوي في رمضان، يقول عبد الرحمان شاب يمتهن التعليم “شئنا أم أبينا فوسائل الاتصال قد  أخذت من وقتنا هامشا واسعا، لكنني لا أفرط في استعمالها إلا للضرورة بحكم اهتمامي بالإعلام، وهذا ليس في رمضان فقط ولكن خارجه أيضا، غير أنني أطلّق مشاهدة التلفاز خلال هذا الشهر نظرا لكثرة الرداءة التي تطبع برامجها، فرمضان شهر الجد والاجتهاد”.

فيما تقر إيمان، شابة متزوجة تشتغل محاسبة، بتأثير الحضور التكنولوجي في وقتها التربوي، مشيرة أنها تعلمت من التجارب السابقة وعزمت هذه السنة على الحد من الانشغالات السلبية، واستثمار هذه الأيام المباركات بعد العمل وممارسة الرياضة بين الصلاة وقراءة القرآن والذكر، مبرزة أنها توزع هذه السنة وقتها بشكل منتظم بعدما قاطعت مشاهدة التلفاز وقلت من ولوجها لمواقع التواصل الاجتماعي، مع ممارستها للرياضة. 

وفي هذا الصدد، تشير فرح أنه على الرغم من أننا في هذا الشهر العظيم الذي يكثر فيه الإقبال على المساجد والعبادات بأنواعها إلا أن “تعاطي الشباب مع وسائل التواصل الاجتماعي أو الشبكة العنكبوتية بصفة عامة أصبح يقلص من حجم استثمار هذا الشهر العظيم والتعرض لنفحاته الطيبة”.

وفي دوامة الانشغالات يلفت عبد الرحمان أن شهر رمضان بالنسبة له هو محطة سنوية يراجع فيها الإنسان حساباته مع ربه، وبأنه شهر “يفرض علينا وضع برنامج يومي وذلك لثلاثة أسباب، أولها أن هذا الشهر ما هو إلا أيام معدودات، فعلى الذكي الفطن أن يستثمر أيامه بل ساعاته ودقائقه في طاعة الله، من صلاة وقيام وذكر وقراءة للقرآن وصلة الرحم وقضاء حوائج الناس. ثانيها أن الأجواء تكون مهيأة للإقبال على الله تعالى وذلك لتنوع أصناف العبادة في هذا الشهر الفضيل. وثالثها أن التوقيت منظم سلفا، فتوحيد وقت الإفطار أو الإمساك والخروج المبكر أحيانا من العمل أو الدراسة يساعد على تنظيم الوقت ووضع برنامج تربوي يومي يبتدئ بوجبة السحور وقيام الليل والاستغفار، مرورا بجلسة للذكر بعد صلاة الفجر، ثم طلب الرزق أثناء النهار، وقراءة ورد من القرآن قبيل صلاة المغرب وصلاة العشاء”.

رمضان.. أيام للاغتنام

رمضان شهر يأتي مستعجلا، فأيامه الـ 29 أو الـ 30 تنقضي بسرعة، هكذا هي المحطات أفردها الله تعالى بميزة تعبدية تقربا إليه خلال السنة، لهذا فالاغتنام واستثمار الوقت بساعاته ودقائقه يكون شعارا يلازم الفرد مع انطلاق أولى ليالي شهر القرآن الكريم.

في هذا السياق يرى عبد الرحمان أن هناك تحديات كثيرة في رمضان، منها “تحديد عدد محدد من ختمات القرآن، حفظ ما تيسر من السور، المواظبة على قيام الليل جماعة في المسجد. والأهم هو أن نعترف بمنة الله وفضله عليها أن بلغنا رمضان، فأسأل الله أن يجعلنا من عتقاء هذا الشهر الكريم”.

أما إيمان فتشدد على أنها رفعت التحدي من خلال رفع عدد الختمات والزيادة في الذكر، وعدم تضييع الدقائق والساعات، وحسن الخلق في المعاملات مع الناس.

حسن رجل تعليم أحب أن يشاركنا رأيه ببرنامج سطره لهذا الشهر ورفع به التحدي محاولا إلزام نفسه تنفيذه أو على الأقل مجاهدة نفسه للالتزام بنسبة كبيرة منه، فخط على ورقة يوميات رمضان وقسمها على ساعاته الـ 24 (الصورة)، وأطعم هذا البرنامج بتفاصيل يومه حتى يعطي لكل حاجة وقتها ليستطيع بذلك التوفق في تحقيق خطته التربوية الاستثمارية في هذا الشهر الفضيل.

تقول فرح: حتى لا يفوتنا أجر وفضل هذا الشهر الأغر الذي يقول فيه الحق سبحانه في الحديث القدسي “عن أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ اللَّهُ تعالى كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصِّيَامَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ” متفق عليه، وجب علينا أن نغتنمه وأن نحسن استثماره.

وأضافت “الأمر لا يأتي بمنع أنفسنا ما ألِفته فقط، ولا بإكثار العبادات بشكلها المادي، لكن باستحضارنا لعظمة عبادة الحق سبحانه في هذه الأيام المباركة، واستشعارنا للقرب منه تعالى، وأن نعيش تفاصيل تلك النفحات العظيمة التي ينعم بها الله علينا، وأن نرقى بأرواحنا وننتصر على نفسنا الأمارة بالسوء، هذا يأتي عندما نشتغل على سلامة القلوب وطهارتها، وستنضبط بعدها عاداتنا بشكل تلقائي يتماشى وما يحمله القلب من سمو ونقاء”.

لتختم فرح بونخلة تصريحها لموقع الجماعة.نت داعية الشباب ونحن في أول هذا الشهر الفضيل وفي عشر الرحمة إلى الاغتنام وأن “يكون حريصا على حسن استثماره حتى يصح فينا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا؛ إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ“.