شهر رمضان هو سيد الشهور، كل لياليه وأيامه، بل كل ثوانيه تقول لنا بأعذب الألحان، وأجمل التعابير وأرقها أنه لباب وجوهر المواسم. شهر أنزل الله فيه القرآن، فلا يوجد شهر آخر مليء بالقرآن كرمضان، يكون ليله بهذه الأنوار، ونهاره بهذا الضياء إلى درجة أن كل من أراد أن يلتجئ إلى ظله يستفيد، ليس فيه محروم إلا من حرم نفسه، شهر الغفران الذي يشعر فيه المسلم بفرحة الروح ونشوتها وهي تحلق خارج  حدود سجن الجسد لما تخلصت من كثير من القيود التي تحول دون رحلتها الإيمانية إلى موطنها الأصلي.

قوام الصيام تحرير الإرادة الإنسانية من كل الأهواء والشهوات، وجعلها تبعا لأوامر الله لا لرغائب النفس الأمارة بالسوء، وتحرير الإرادة  هو الفرق الجوهري بين الإنسان والحيوان. وما شرع الإسلام للناس الصيام إلا تدريبا لهم على قيادة شهواتهم لا انقيادا لها. يقول صاحب الظلال الشهيد سيد قطب: “فالصوم هو محال تقرير الإرادة العازمة الحازمة، ومجال اتصال الإنسان بربه اتصال طاعة وانقياد، كما أنه مجال الاستعلاء على ضرورات الجسد كله، واحتمال ضغطها وثقلها، إيثارا لما عند الله من الرضي والمتاع”.

رمضان فرصة المسلم للتطهر بالنهار استعدادا لاستقبال هدايا القرآن في محراب التبتل بين يدي الله في جوف الليل: “هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ فَأَغْفِرَ لَه، هَلْ مِنْ دَاعٍ فَيُسْتَجَابَ لَهُ، هَلْ مِنْ تَائِبٍ فَأَتُوبَ عَلَيْهِ…“.

إن التخلية التي تتبعها التحلية كما يقول علماء القلوب يجعل المسلم أقرب إلى رضوان الله وغفرانه، فعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “الصيام والقيام يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام: أي رب منعته الطعام والشهوة فشفعني فيه، ويقول القرآن منعته النوم فشفعني فيه، فيشفعان.” 

ففي مدرسة الصيام نتعلم ونتدرب في الوقت ذاته على تقوية الإرادة والسمو بالروح. يقول مصطفى صادق الرافعي في جوهرة مؤلفاته وحي القلم: “وهناك حكم كبيرة من حكم الصوم، وهي عمله في تربية الإرادة وتقويتها بهذا الأسلوب العملي، الذي يدرب الصائم على أن يمنع باختياره من شهواته ولذة حيوانيته، مصرا على الامتناع، متهيئا له بعزيمته، صابرا عليه بأخلاق الصبر، مزاولا في كل ذلك أفضل طريقة نفسية لاكتساب الفكرة الثابتة ترسخ لا تتغير ولا تتحول، ولا تعدو عليها عوادي الغريزة.”

 في مدرسة الصيام ننتقل من مجرد الرغبة في الوصول إلى التقوى، الغاية الكبرى من الصوم، والتي تتطلع إليها أرواح المؤمنين حبا ورغبا، إلى الفعل والتطبيق مع محاولة الاستمرار ومواجهة الصعاب وكل التحديات والمضي في ذلك حتى الإنجاز. ويبقى الصوم أداة مهمة من الأدوات، وطريقا من الطرق الموصل إلى التقوى مصداقا لقول الله عز وجل: يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون.