بعد ست سنوات على اغتياله، لا تزال قضية الشهيد كمال عماري تثار كل سنة تحل فيها ذكراه، بسبب تماطل القضاء في البث النهائي في الملف، وفي معاقبة الجناة الذين تفننوا في تعذيبه حتى القتل، رغم ثبوت تورطهم بالشهود.

مع حلول الذكرى السادسة لاستشهاد كمال عماري، نجدد إحياء هذا الملف وصاحبه رحمه الله، بإبراز أهم محطات حياته وقضيته بعد اغتياله.

طفولته ودراسته
ازداد كمال بن عبد الرحمن عماري سنة 1981 بقيادة خط أزكان، إقليم أسفي. نشأة في أسرة متألفة من أربعة إخوة وأربع أخوات كان هو أصغرهم، عاش طفولته في دوار الساهل جنوب شرق مدينة أسفي. كان أبوه فلاحا أصيلا زرع فيه معاني العزة والكرامة ومحبة الآخرين، وكان يلقبه “بكمال على الله” وكان يحظى عنده بمعزة خاصة ومعاملة فريدة، وقد عرف منذ صغره بدعمه لوالده في العمل داخل الحقل.

بعد حصوله على شهادة الباكالوريا من ثانوية الهداية الإسلامية، انتقل إلى مدينة الجديدة ليتم دراسته بكلية العلوم، حيث  درس بها سنتين، ثم التحق بالكلية المتعددة التخصصات بأسفي  ليكمل دراسته متخصصا في مادة الفيزياء. بعدما أنهى دراسته الجامعية، اشتغل بالتعليم الخاص مدرسا لمادتي الفيزياء والرياضيات، وفي وقت العطالة عن العمل كان يشغل معاصر الزيتون بضواحي مدينة أسفي، وفي آخر حياته عمل حارس أمن خاصا بميناء المدينة نفسها.

شخصية رزينة ثابتة على النضال
انخرط كمال في مرحلة الدراسة الجامعية في العمل الطلابي ممثلا لفصيل طلبة العدل والإحسان بالاتحاد الوطني لطلبة المغرب، ويشهد له زملاء المرحلة بحسه النضالي عبر الدفاع عن حقوق الطلبة سواء بكلية العلوم بالجديدة أو بالكلية المتعددة التخصصات بأسفي، وقد كان مثالا للطالب الواعي والخلوق والمتهمم بقضايا الطلاب.

يحكي أصدقاء وأقرباء الشهيد، بأنه كان يحمل شخصية رزينة ومتواضعة وكان محبوبا عند الجميع، فقد كان صاحب نخوة ومروءة، لم يكن يتكلم إلا بكل خير، وعرف عنه مشاركته في أنشطة خيرية من أجل مساعدة الآخرين خاصة الفقراء منهم والمحتاجين في مناسبات رمضان وعيد الأضحى…

كما تميز كمال بجديته وانضباطه ونبل أخلاقه وهمته العالية وبربانيته التي اكتسبها من مجالس العلم والإيمان ومجالس النصيحة والرباطات الدورية والأربعينية والاعتكافات الرمضانية التي تنظمها جماعة العدل والإحسان .

الاعتداء والاستشهاد
عندما انطلقت شرارة احتجاجات حركة 20 فبراير بمدينة أسفي، كباقي مدن المغرب، لم يتخلف الشهيد كمال عماري عن الخروج في مسيراتها حيث كان عضوا منخرطا بكل جدية وحماسة في جميع أنشطتها، مطالبا كأي مغربي بالكرامة والعدالة الاجتماعية، رافعا كباقي المحتجين شعار إسقاط الفساد والاستبداد.

التزام كمال بالمشاركة في الحركة الاحتجاجية، كان مستفزا لعناصر الأجهزة السلطوية القمعية، كباقي نشطاء الحراك الشعبي، فانقضت عليه يوم 29 ماي 2011، في لحظة وجدت فيها الفرصة لتفرغ فيه غيظها وحقدها الدفين، فانهالت عليه بالهراوات، بلا رحمة في أماكن مختلفة من جسده، (على مستوى الرأس وكسرا في الرجل اليمنى وكدمات على مستوى الوجه ورضوضا على مستوى الصدر) إلى أن خارت قُواه، وفقد الوعي، ليفارق الحياة بعدها يوم الخميس 02 يونيو 2011 بمستشفى محمد الخامس بمدينة أسفي، متأثرا بجراحه.

البعد الحقوقي للملف
لقيت قضية وفاة تفاعلا حقوقيا كبيرا، أجمع فيه مختلف الحقوقيين على تورط أجهزة السلطة في مقتل كمال عماري، فقد أصدر “المرصد المغربي للحريات العامة” و”الوسيط من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان”، تقارير أكدت الاعتداء العنيف الذي تعرض له عماري من طرف رجال الأمن، جازمة أنه السبب المباشر وراء موته، محذرة إفلات المتورطين من العقاب.

كما أصدرت العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان بيانا حملت فيه الدولة “كامل المسؤولية في الإجهاز على الحق في التظاهر والاستعمال المفرط للقوة، وإدانة قتل القوات العمومية للمواطن كمال عماري”.
وتوجهت منظمة التحالف الدولية (AFD International)  في 3 يونيو 2011 رفقة المحامية سميرة كزاز من هيئة بروكسل إلى مدينة آسفي، للتحقيق في ملابسات وفاة الشاب كمال عماري، تمكن المراقبون من مقارنة كافة المعلومات التي تم جمعها، خلصت فيه إلى أن الوفاة جاءت بعد قمع واسع للمتظاهرين. أضف إلى هذا

تقرير الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وجمعيات حقوقية أخرى لا يتسع المجال لذكرها، أجمعت على أن كمال عماري مات نتيجة للتعذيب الذي مارسه عليه عناصر أمنية على خلفية الاحتجاجات السلمية. 

حقيقة واضحة وقضاء غامض
بعد مرور ست سنوات ما زال ملف الشهيد كمال عماري لم يبرح مكانه، فمنذ الوفاة إلى الآن لا تعلم عائلته ولا أصدقاؤه نتيجة التقرير الطبي ولم تتسلم نسخة منه أو من تقرير المجلس الوطني لحقوق الإنسان الذي استمع لجميع الأطراف، والذي أقر بأن كمال العماري “توفى بسبب تعرّضه للعنف في تدخّل أمني لفضّ تظاهرة احتجاجية لحركة 20 فبراير بتاريخ 29 ماي 2011 في مدينة آسفي”، حيث أكد أيضا أنّ “القوة المُستخدَمة من طرف عناصر الأمن لم تكن متناسبة مع حجم التظاهرة التي دعت إليها حركة 20 فبراير يومها”، بحسب ما نشرته جريدة المساء قبل أربع سنوات، بعد حصولها على نسخة حصرية من التقرير.

هذا التقرير نفى ما جاء في بلاغ صادر حينها عن الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف في آسفي بعد الوفاة بأيام قليلة، والذي قال فيه إنّ “تقرير الأطبّاء الشرعيين قد خلـُص إلى كون وفاة الهالك كمال عماري في مستشفى محمد الخامس في مدينة آسفي نتجت عن اعتلال رئوي واسع مع فقد الدماغ للأوكسجين”.

بين تقرير المجلس غير المعلن بشكل رسمي، وشهادات من عاينوا الوقعة، وتقارير ومعطيات هيئات حقوقية مختلفة، تبقى هذه القضية، رهينة غموض قضائي، في تعامله مع الملف رغم وجود حقائق موثقة الدالة على تورط الأجهزة الأمنية في مقتل كمال.