زمن إيماني

من منن الله على عباده، ومواهبه لأحبائه أن نوّٙع لهم العبادات، ونوّٙع لهم زمن فعلها، فخصّٙ أياما بمزية وفضل، وشهرا في السنة بمنزلة ومكرمة، هو شهر رمضان الأبرك ببركة القرآن، الأكرم بكرم الله الفياض للمستجيبين له. إنه مدرسة تربوية تدريبية للمؤمن ليستغرق وقته في طاعة الله تعالى صياما وقياما وصدقة وصلة رحم وجهادا في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان، فيخرج من المدرسة الرمضانية وقد نقل نفسه من زمن العادة التي يرخي فيها العنان لمألوفاته ومحبوبات نفسه، إلى زمن العبادة التي يستجيب فيها لربه بقلبه وجوارحه، فترنو نفسه للاقتداء بالرسول الكريم في ذكره ربه على كل أحيانه، واستغراقه في عبادته في كل أوقاته.

همم.. وهمم

شتان بين من هيّٙأ نفسه لاستقبال الشهر الكريم، وحسّٙن نيته، وقضى ما قبله من شهور في يقظة قلبية واستجابة جوار حية لله تعالى، ومن قضاها في غفلة، ولم يستعد لاغتنام أنوار رمضان، ولم يجدد نيته، فلهؤلاء همة ساقطة غير طامحة، ولأولئك همة عالية سامقة. في معرض آيات الصيام في سورة البقرة، أخبر الحق سبحانه بقربه من عباده الذين يسألونه، وإجابته دعاءهم، وقد قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (إني لا أحمل هم الإجابة ولكن هم الدعاء، فإذا ألهمت الدعاء فإن الإجابة معه)، علق الإمام ابن قيم الجوزية على القول العمري في قاعدة من كتابه “الفوائد” قائلا: (وعلى قدر نية العبد وهمته ومراده ورغبته في ذلك يكون توفيقه سبحانه وإعانته، فالمعونة من الله تنزل على العباد على قدر هممهم وثباتهم ورغبتهم ورهبتهم، والخذلان ينزل عليهم على حسب ذلك، فالله سبحانه أحكم الحاكمين وأعلم العالمين يضع التوفيق في مواضعه اللائقة به والخذلان في مواضعه اللائقة به وهو العليم الحكيم، وما أتي من أتي إلا من قبل إضاعة الشكر وإهمال الافتقار والدعاء، ولا ظفر من ظفر بمشيئة الله وعونه إلا بقيامه بالشكر وصدق الافتقار والدعاء، وملاك ذلك الصبر…). فصفاء القلب وحسن النية وشرف النفس وزكاتها وعلو الهمة مجلبة العطاء والكرم الإلهي، والصوم صبر وحبس للنفس ائتمارا بالأمر واصطبارا، وكفا عن النهي وانزجارا، فبذلك يحظى الصائمون بمزية اختصاص الله بمجازاتهم. اللهم ارزقنا نفسا شريفة طيبة مطمئنة، لندائك مستجيبة، ولجزائك حائزة.

طالع أيضا  ذ. ركراكي: في العشر الأواخر شمّر وشُدّ المِئْزر

استجابة لله

حض الله المؤمنين على الاستجابة له والإيمان به رجاء أن يكونوا من الراشدين بعد أن أخبر بقربه من عباده وإجابته دعاءهم، وقد أمرهم في سورة الأنفال بالاستجابة له ولرسوله لما فيه حياتهم، فقال: يأيها الذين ءامنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه وأنه إليه تحشرون (الأنفال: 24). في الاستجابة لله تعالى حياة للمؤمن في قلبه ونشاط لجوارحه في طاعة ربه، ونور لمعرفته والقرب منه.

رمضان والاستجابة القلبية لله

رمضان شهر أنوار القرآن وبركات الصيام ونفحات القيام فرصة للمؤمن ليستجيب بقلبه لله تعالى، فيحيى أحوالا قلبية سنية عاشها الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم – خير من صام وقام إيمانا واحتسابا- والصحب الكرام رضي الله عنهم، منها: شهود نعم الله وأفضاله في رمضان، وإحسان الظن به وبعباده، والخشوع في الصلاة، والتوبة والإخبات والإنابة له، ووجل القلب عند سماع القرآن ولينه لذكر الله، والإخلاص له واحتساب الأجر عنده، والإحساس بحال الفقراء والمكروبين… والتوجع والتألم لآلام إخوتنا في فلسطين وسوريا… والتضرع لله قاسم الجبارين لينصرهم ويجبر كسرهم ويقوي ضعفهم ويطعم جائعهم ويكسو عاريهم ويداوي جرحاهم ويقبل شهداءهم ويؤمنهم في سربهم.

رمضان والاستجابة الجوارحية لله

لا تكمل الاستجابة القلبية لله تعالى في رمضان إلا بالاستجابة الجوارحية، فبصلاح القلب يصلح الجسد، وبسلامته وصحته تسلم أعمال الجوارح وتصح. فالمدرسة الرمضانية فرصة ثمينة ليختبر المؤمن نفسه في الائتمار بالأمر والانتهاء عن النهي بجوارحه، فالرأس بم يُملأ؟ بأي علم؟ وبأي فكر؟ والعين ماذا تُبصر؟ والأذن ماذا تسمع؟ والبطن ماذا تطعم؟ واليد فيم تبطش؟ والرجل إلى أين تخطو وتمشي؟

المؤمن الموفق السعيد من يتقرب إلى ربه بالفرض والنفل، فيحبه الله ويبارك في حواسه، ويوفقه لفعل ما يرضيه بها، فيحقق الشكر العملي إلى جانب الشكر القلبي واللساني. فالأذن تسمع القرآن ودروس الوعظ في مجالس الإيمان رجاء رحمة الله، واللسان يتلو القرآن آناء الليل وأطراف النهار، والعين تمتع النظر فيه، فعن الحسن قال: قال عثمان بن عفان رضي الله عنه: (لو أن قلوبنا طهرت ما شبعنا من كلام ربنا، وإني لأكره أن يأتي علي يوم لا أنظر في المصحف)، واليد تسرع في إدخال السرور على العيال والإحسان إلى الفقراء وإغاثة الملهوفين وتنفيس كرب المكروبين، والرجل تسرع الخطو إلى بيوت الله وصلة الأرحام ومجالسة المؤمنين ومناصرة المجاهدين، والبطن تطعم الحلال وتتقلل في الأكل والشرب. ولا يفوت المؤمن مع اهتمامه بعبادته الفردية وهمه الخاص مع ربه، أن يهتم بالمسلمين فيتابع أحوالهم ويكتب عنهم ويُعرّف بقضاياهم، وذاك جهاد من الجهاد.

طالع أيضا  د. الرضى: هبّت رياح التوبة وأقبلت.. فهلمّ الصلح مع الله

الاستجابة لداعي الجهاد في سبيل الله

كان شهر رمضان ولا يزال شهر الجهاد في سبيل الله، وشهر الانتصارات لجند الله. طوبى لإخواننا في فلسطين وفي غزة خصوصا، وبشرى لهم باستجابتهم لله تعالى بعدما أصابهم قرح بعد قرح من اليهود الغاصبين، وصبرهم على البلاء ، وثباتهم في رباطهم، وعدم انكسار إرادتهم، والتحامهم فيما بينهم مقاومة وشعبا، ويقينهم في نصر الله عز وجل، قال الله تعالى في آية يتجدد معناها عبر الزمان والمكان: يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المومنين الذين استجابوا لله والرسول من بعدما أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم (آل عمران: 171-174).

استجابوا لداعي الجهاد في سبيل الله أعزة على اليهود أذلة على بعضهم البعض، فبرئوا من الوهن: حب الدنيا وكراهية الموت، ولقنوا الشعوب المسلمة دروسا عظيمة في التحرر من الوهن مصدر غثائية الأمة الخيرية، ودعوهم بحالهم قبل مقالهم للنفير لنصرتهم ودعمهم بمختلف الأشكال والأساليب التي تواسيهم وتلهمهم الصبر والثبات، وتغيظ اليهود الصهاينة ومن والاهم وسكت عن وحشيتهم ووفر لهم بصمته الغطاء لاستباحة الدماء والمنازل والمساجد…

إنها بحق استجابة متجددة للجهاد في سبيل الله ضد اليهود يخوضها المرابطون في فلسطين نيابة عن الأمة في الميدان، وإن معركة الأمة مع اليهود ومع من مالأهم معارك طويلة في مختلف المجالات: سياسة واقتصادا وفكرا وثقافة وتعليما وإعلاما… تنهض إليها الأمة لتتحرر من كابوس الاستبداد ورواسب الاستعمار.

خاتمة

ما أسعد المؤمن إن اغتنم شهر رمضان استجابة لله بقلبه وجوارحه، واستصحب معه خيره وبركاته وأعماله بعده، مستحضرا قول الله تعالى: إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والارض منها أربعة حُرُم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم (التوبة: 36). اللهم ألهمنا همّٙ الدعاء، وارزقنا الاستجابة لك في رمضان وبعد رمضان.

طالع أيضا  ومضات منهاجية عن قيام الليل (4) ليل التبتل ونهار السبح