رمضان ربيع قلوب المؤمنين، لذا “يُنَادِي مُنَادٍ يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ أَقْبِلْ وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ”. (الحديث)

بشارة عظيمة وإنذار بجلال المقام: “أبشر وأقصر” حدّان لتطلّع المؤمن المتوثب للمعالي.

هل كان الصحابة الكرام والسلف الصالح أكثر اهتبالا برمضان لستة أشهر قبل مقدمه اعتباطا، وهل كانت الحسرة على فواته ضمن ما جرت به العادة وعلى غير منوال أو داع: أهل الله عرفوا للزمن قدره، ووقفوا على حقيقة فيوضاته، فكان الاشتياق والحسرة حدّين بين زمنين، على مدارهما يقام بعض الدين، أو كل الدين. في رمضان المجاهدة والمكابدة وطلب النفيس، والجهاد، كل الجهاد.

يقول الإمام المجدد عبد السلام ياسين، رحمه الله، عن رمضان: “في السنة الإسلامية فَصٌّ يزين الزمن كما تزين الحُليَّ الجواهرُ النفيسة. إنه شهر رمضان عيد السنة كما هي الجمعة عيد الأسبوع”. (“تنوير المؤمنات).

وقال معلى بن الفضل عن السلف رحمهم الله: “كانوا يدعون الله ستة أشهر أن يبلغهم رمضان، ثم يدعونه ستة أشهر أن يتقبل منهم”. هو “مربط العبادات”، ومدار السعي، ومنطلق ومنتهى العمل، وعليه يدور عام المؤمن، ويومه وليلته.

لذا “يُنَادِي مُنَادٍ يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ أَقْبِلْ وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ”. محفّزا ومنبها أن لله أوقاتا من أدركها نال من عطاء الله، ومن فاتته فـ”لا نهاية لحسرته”.

فإذا كانت أول ليلة من رمضان “غُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ فَلَمْ يُفْتَحْ مِنْهَا بَابٌ، وَفُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ“. هل من مكرمة أجلّ. الكلام مشيرٌ إلى أن أبواب الكريم فتحت، وخزائن فضله مشرعة “لمن ألقى السمع وهو شهيد”.

تغلق أبواب النار وتفتح أبواب الجنّة، وفوق ذلك ما أعظم: بسطُ الرحمان الرحيم لجميل عفوه وعظيم غفرانه، “إذ لِلَّهِ عُتَقَاءُ مِنَ النَّارِ وَذَلكَ كُلُّ لَيْلَةٍ”. هكذا، عتقاء لله، على الإطلاق بلا حساب ولا عدّ.

ولأجل هذا، قال رسول الله ‏صلى الله عليه وسلم ‏”رغم أنف رجل دخل عليه رمضان ثم ‏‏انسلخ ‏ ‏قبل أن يغفر له”.

محروم من بسطت أمامه أنهار فضل الرحمان و”هو يبيت عطشانا”، ومن عرضت عليه رحمات الرحيم وما ناله منها نصيب، بل صدّته الصدود عن أن يغترف مما يغترف منه الرجال. الرجال حقا وحقيقة.

وللرجال تطلّع إلى ما فوق الجنة والنار، وما أسمى من العتق من النار. تشوّف للإحسان، وانشغال بالعبادة واستغراق لتُصقل القلوب، حتى يعبد المحسن الله “كأنه يراه”. ومن أدرك هذا صار الله طلبته ومبتغاه، وغاية غاياته.

لذا كان رمضان ربيع القلوب، إذ خصّه الله بفضل عميم دون سائر الأيام، موسما للخير يربح فيه الرابحون. ومن انفلتت من بين يديه فضائله فليحت التراب على رأسه، ولا نهاية لحسرته.