يقول الإمام حسن البنا في مقال له “رمضان شهر القرآن”، منشور على موقع جماعة الإخوان المسلمين 

شهر رمضان هو شهر الإرادة القوية، التي تورث الحرية الصحيحة، وهو شهر الروحانية الكاملة التي تورث السخاء والجود بأعراض المادة، وأحب أن نتعرَّف في هذه الكلمة كيف أن رمضان هو شهر التلاوة والقرآن.

الصوم طهارةً للنفوس ونقاءً للأرواح، يسمو بها إلى الملأ الأعلى، ويرتفع بها إلى أفق الملكية؛ حيث يتصل بعالم غير هذا العالم؟ والقرآن نبعً فياضً ينضح بهذه الروحانية، ويذكِّر النفوس بالملأ الأعلى أيضًا، ويجلو أمامها أسرار ملكوت السماوات والأرض؟ بل هو وديعة الملأ الأعلى وهديته لهذا العالم الأدنى…

القرآن حبل الله المتين، طرفه بيد الله وطرفه بيد الناس، فالنفس إذا صفت وترقت بالصوم رأت القرآن معنى ساميًا من معاني الملأ الذي ارتقت إليه؛ فأدركت مراتبه، واستجلت معانيه، واستوضحت أسرارَه، وأخذت منها بطرف ما كانت لتصل إليه لولا أنها هُذِّبت بالصوم، وترقَّت به إلى عالم الحقيقة والنور.

فعلى ضوء النور الذي تشرق به جوانب النفس بالصوم يكشف الصائم عن الحقائق السامية التي يزخر بها بحر القرآن الفيَّاض؛ ولهذا كان رمضان شهر القرآن، ولهذا نزلت أول آية على الرسول- صلى الله عليه وسلم- في غار حراء وهو أصفى ما يكون نفسًا، وأطهر روحًا بالتجرد والخلوة والتعبُّد والرياضة والتحنُّث الليالي ذوات العدد، وقد كان ذلك في شهر رمضان؛ ولهذا كان الصيام والقرآن شفيعَيْن للعبد يوم القيامة.

إن هذا القرآن شافع مشفع وفاصل مصدق، من جعله أمامه قاده إلى الجنة، ومن جعله خلفه ساقه إلى النار؛ فتتبعوا أوامره، وأقيموا حدوده، واعملوا بتعاليمه، ولا تدعوا شهر رمضان يمر بكم دون أن يترك في النفوس قبسًا من نوره وأثرًا من تهذيبه؛ فيرفع عنها حجاب الغفلة، ويكشف لها عن مواطن العبرة؛ فتكون من العارفين العاملين، فإن لم تفعلوا فاذكروا يومًا يخاصمكم فيه نبيكم – صلى الله عليه وسلم- حين ينادي ربه: يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا (الفرقان: 30).