يقول الشيخ محمد الغزالي، في مقال له تحت عنوان “معاني الصوم وذكرياته” نشر في مجلة المساجد – منبر الإسلام، غرة رمضان سنة 1373هـ – 4 مايو 1954م:

شرع الصيام للناس فطامًا لأنفسهم عن شهواتها المألوفة؛ وقهرًا لعاداتها المستحكمة؛ وتدريبًا للإرادة في صراعها مع الغرائز السفلى؛ وإطلاقًا للروحانية الحبيسة في سجن الضرورات المتكرِّرة أبدًا؛ ضرورات الغذاء، والكساء … وكأن الإسلام يريد إشعارَ الإنسان بأصله العريق المنبثق من روح الله، ويريد تحريره من آصار الأرض، ويريد أن يجعل من أيام هذا الشهر المبارك فُرَصًا للتزوُّد من عناصر السمو، ومعاني الطهر، وادِّخار مقدار من ذلك يبقى مع المرء طول السنة، كما تُدَّخَر قوى الكهرباء في مستودعاتها – عندما تملأ بكمية ضخمة – فتظل تضيء وتحرك … حتى إذا فرغت، مُلئت (البطارية) ثانيةً، وهكذا يجيء رمضان فيملأ النفوس خيرًا وتُقًى، كلما ضعفت فيها دوافع البر والتقوى.

ويصيح في الركب السائر إلى الكمال: شدِّد عزمَك، وجَدِّد أملك. وفى الركب المتمرد على الحق: أَقصِرْ شرَّك، وأصلح شأنك.

 وتتعاون الأرض والسماء على تخليص الإنسان من أوزاره، وتنجيته من عِثاره (إذا جاء رمضان فُتّحت أبواب الجنة، وغُلّقت أبواب النار، وسُلسلت الشياطين، ونادى منادٍ: يا باغيَ الشر أقصر، ويا باغي الخير هلمَّ).

ولئن كان رمضان شهر الجهاد النفسي لترويض الحيوان الجامح في دماء الناس وأهوائهم؛ بجوع النهار وسهر الليل – فهو في تاريخنا شهر الذكريات الحربية الخطيرة، والجهاد الموفَّق، ويبدو أن هناك تقاليد وُضعت في حياتنا العامة أيام مجد الأمة الإسلامية؛ لتربط بين الجهادين النفسي والعسكري، ولترمز إلى اقترانهما في حياة المسلم المكافح أبدًا.

ومن ثَمَّ كان الإفطار على طلقات المدافع، والسحور على دويّ الطبول، وأيًّا كان الأمر، فإن كلا الجهادين حقٌّ، جهاد الإنسان ضد شهواته، وجهاده ضد ضلالات الناس.