مقدمة

بينما أتصفح الأحاديث النبوية الواردة في باب الصيام عموما وباب رمضان خصوصا إذ استوقفي منها حديث وجدته لما تأملت كلماته أنه موجز في المبني، لكنه عظيم في المعنى وكبير في المغزى. إذ يحمل من المعاني ما يمكن أن يشمل تقريبا كل ما جاء في الأحاديث الأخرى. فهو يشمل فرضية الصيام وركنيته باعتباره من صوى الإسلام ومناراته، ويشمل روحانية الصيام وربانيته باعتباره من شعب الإيمان وخصاله، ويشمل الوظيفة الجهادية والمجاهدة باعتباره من أحوال الإحسان ومقاماته. إنه الحديث النبوي الذي رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “من قام رمضان (وفي رواية: من صام رمضان) إيمانا واحتسابا غُفر له ما تقدم من ذنبه”.

هذا الحديث النبوي الشريف يُبرز لنا من بين ثناياه قومةً رمضانية من خلال كلمة (قام)، كما يبرز أيضا شروط إحيائها ونجاحها من خلال كلمتي (إيمانا واحتسابا). فما المقصود بقومة رمضان؟ وما هي أنواعها وشروطها؟

قومة رمضان

 في القرآن الكريم عندما نتدبره قومات كثيرة، قومة الدعوة في قوله تعالى:  وإنه لما قام عبد الله يدعوه 1. وهي قومة تهتم بالدعوة وما يرتبط بها من وسائل وأساليب. وقومة التفكر في قوله تعالى: قل إنما أعظكم بواحدة، أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جِنّة، إن هو إلا نذير مبين 2. وهي قومة تختص بعبادة التفكر وأهمّ مواضعه. وقومة القنوت في قوله تعالى: وقوموا لله قانتين 3. وهي قومة تقوم على التبتل وقيام الليل. وقومة الصلاة في قوله تعالى: فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب 4. وهي قومة الحفاظ على الصلاة وأدائها بحقها وفي وقتها. وكل قومة تشتمل على ما يقيمها ويحييها من المعاني والأعمال المرتبطة بها. وقومة رمضان كذلك لها معاني وأعمال تحييها وتقيمها. هناك من يفهم من معنى القيام أو القومة في الحديث أن المقصود منه القيام لصلاة التراويح وصلاة التهجد ليلا فقط. ونحن نفهم من القيام قومةً أوسع وقياما أشمل من ذلك بحيث تتضمن كل أعمال رمضان في الليل أو النهار والتي تحقق مقصده الإيماني المسطّر في القرآن، ألا وهو التقوى. وذلك من صيام وقيام، من تلاوة للقرآن وحفظه، من ذكر لله تعالى وتسبيحه، من صدقة وإحسان، من تعجيل فطور وتأخير سحور، من إفطار جماعي واجتماع على الله تعالى، من اعتكاف ودعاء، من اجتهاد وجهاد.

 أنواعها

القومة العامة: وهي المذكورة في الحديث المذكور أعلاه، وتتم من خلال الاستعداد والإحياء والاستثمار.

الاستعداد، ويكون قبل رمضان بتهييء النفس والقلب توبةً ونيةً وطهارةً لاستقبال الضيف الكريم خير الشهور رمضان المبارك، وبتهييء الوقت المناسب من خلال التفرغ من الأشغال العادية والتخفيف منها كما كان يفعل الصحابة رضي الله عنهم ومن تبعهم بإحسان، وذلك بقصد التفرغ للأعمال العبادية. الإحياء، ويكون ببعث الحياة في أيام رمضان من خلال اليقظة التامة من حصول تسيّب في الوقت أو خلل في السلوك أو ضعف في الإرادة خاصة في الأيام الأخيرة التي تقتضي الصبر والمصابرة لإصابة والتماس ليلة القدر فيها. الاستثمار، ويكون أثناء رمضان بالحرص على استثمار كل وقت من أوقات الشهر المبارك في ذكر الله وتلاوة القرآن وحفظه وفي أيّ عمل يفتل في تقوية حبل العلاقة بالله عز وجل والتقرب إليه. استثمار ليل رمضان لاكتشاف الأسرار، واستثمار نهاره لإظهار الأنوار، فالليل للتحلّي، والنهار للتجلّي. روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: قال الله عز وجل: كل عمل بن آدم له إلا الصيام؛ فإنه لي وأنا أجزي به، والصيام جنّة، وإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث، ولا يصخب، فإن سابّه أحد أو قاتله فليقل: إني امرؤ صائم، والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، للصائم فرحتان يفرحهما: إذا أفطر فرح، وإذا لقي ربه فرح بصومه”.

القومة الخاصة: جاء ذكر هذه القومة في قوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري رحمه الله: “من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غُفر له ما تقدم من ذنبه”. وليلة القدر هي قومة خاصة لأن ما تتطلبه من مجهود هو أكثر مما يتطلبه غيرها من الأيام والليالي، ولأن كذلك الترغيب في التماسها وفي أجرها هو ترغيب خاص. فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يخص بالاجتهاد العشرَ الأواخر من رمضان ليتحرى ليلة القدر بأعمال لا يعملها في بقية الشهر. فمما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم ما أخبرتنا به سيدتنا عائشة رضي الله عنها من أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل العشرُ أحيا ليله وأيقظ أهله وجدّ وشدّ المئزر” 5. ومما ثبت عنه أيضا صلى الله عليه وسلم أنه كان يطرق الباب ليلا على سيدنا علي وسيدتنا فاطمة رضي الله عنها فيقول لهما: “ألا تقومان فتصليان 6.

شروط القومة

ذكر الحديث لهذه القومة الرمضانية شرطين اثنين هما: الايمان والاحتساب. وتوجد بين الشرطين علاقة، فلا يتصور وجود أجر وثواب إذا كان هناك خلل في الإيمان. بمعنى أن أي ضعف يصيب الإيمان أو شكّ له انعكاس على الأجر والثواب. لذلك فالترتيب بينهما حكيم ومنطقي.

الإيمان: ويتم أولا من خلال التصديق بفرضية الصيام وركنيته ووجوبه، والتصديق بفضله ومكانته، يقول الله تعالى: شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان 7. وفي الحديث رواه النسائي رحمه الله عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: مرني بأمر آخذه عنك، فقال: “عليك بالصوم، فإنه لا مثل له”. والتصديق بهدفه ومقصوده، يقول الله تعالى: كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم، لعلكم تتقون 8. وثانيا من خلال تصحيح النية وتجديدها. ذلك أن العادات الجارفة في بعض الأحيان تنسّي الناس مقاصد العبادات لتجعل منها مجرد مواسم كباقي المواسم. وثالثا من خلال اليقين في أجره الذي تكفل الله به للصائمين مطلقا، وبما ذكرته الأحاديث النبوية تحديدا. عن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “الصيام جُنّة من النار، كجنّة أحدكم من القتال” 9. وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “الصيام جنّة وحصن حصين من النار” 10. عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “ثلاث دعوات لا ترد: دعوة الوالد، ودعوة الصائم، ودعوة المسافر” 11.

الاحتساب: ويتم أولا من خلال الإخلاص في هذه القومة بكل تفاصيلها العامة والخاصة بأن تكون لله تعالى لا شريك له. ويتم ثانيا من خلال طلب القَبول من الله تعالى أدباً. لأن كل ما حقّقه العبد من أعمال هذه القومة ونجح فيها إنما هو توفيق من الله تعالى وتأييد منه سبحانه. ويتم ثالثا من خلال طلب النظر إلى وجه الله تعالى طمعا وشوقا وإرادة. فهو أعزّ وأجل ما يطلبه العبد المؤمن من وراء أعماله أكثر من أي شيء آخر. يقول الله تعالى: ذلك خير للذين يريدون وجه الله، وأولئك هم المفلحون 12.

خاتمة 

فهي إذا قومة رمضانية تفتل في حبل القومة الإسلامية الكبرى، لما تؤديه من وظائف تربوية ودعوية وجهادية سواء على المستوى الفردي أو المستوى الجماعي. ومن هذا المنطلق يحرص العبد المؤمن أشد الحرص على أن لا تفوته بسبب الكسل أو الغفلة أو التهاون. فإن فواتها خسارة ما بعدها خسارة. يكفي الوعيد النبوي في ذلك حتى ننزجر فنقوم القومة الرمضانية اللازمة. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: “من أدركه رمضان ولم يُغفر له لا غفر الله له“.

فاللهم وفقنا إلى صيام هذا الشهر المبارك إيمانا واحتسابا. واجعل أوله لنا رحمة، وأوسطه مغفرة، وآخره عتقا من النار. آمين.


[1] الجن: 19.
[2] سبأ:46.
[3] البقرة:238.
[4] آل عمران: 39.
[5] متفق عليه.
[6] متفق عليه.
[7] البقرة:185.
[8] البقرة: 183.
[9] رواه ابن ماجه.
[10] رواه الإمام أحمد.
[11] رواه البيهقي في سننه، وإسناده حسن.
[12] الروم:38.