نورالدين جناح الفريحي

في كل عام يحل علينا شهر مبارك عظيم، ضيف كريم، شهر الرحمة والمغفرة والعتق من النار.

يأتي كما الغيث، رحمة من الله لإحياء الموتى، وبعثهم من جديد – موتى القلوب والنفوس والضمير…- فطوبى لعبد أقبل على مولاه، بصدق التوبة والإنابة وعرض على الله حاجته، وشكا إليه ضعفه وعجزه وفقره و… وطلب منه بصدق النية والعمل المغفرة والرحمة والعتق من النار، وهو قائم على قدم العبودية يرجو رحمته ويخاف عذابه.

فحري بهذا العبد أن ينال طلبته، وأن يؤهل للقربى والزلفى عنده سبحانه وإذا سالك عبادي عني فاني قريب 1، إذ ليس القصد من الشهر الكريم ترك شهوتي البطن والفرج من شروق الشمس إلى غروبها فحسب، إنما الترك هنا وسيلة ليتفرغ العبد إلى ما هو أسمى وأعمق، وهو التفكر في آلاء الله وفي الأنفس والآفاق، متخففا من كل عادة أو ثقل مختليا بربه ذاكرا داعيا ضارعا باكيا يراجع نفسه ويحاسبها على التفريط في جنب الله، مستحضرا ذنوبه فيذل وينكسر، ويتعظ وينزجر، فيرى ستر الله وعفوه، راجيا نواله وإحسانه، فهو سبحانه أهل التقوى وأهل المغفرة، فإذا بالعبد ينطلق في هذا الشهر متحررا من النفس والهوى إلى نجاته إقبالا على خالقه، فتزكو نفسه، وتبدأ الحياة القلبية تسري إليه شيئا فشيئا، فيبادر إلى التصدق ويسعى في خدمة الناس وتقديم العون لهم.

وقد “كان عليه الصلاة والسلام أجود ما يكون في رمضان، كان أجود من الريح المرسلة”، كما تحكي لنا ذلك السيدة عائشة رضي الله عنها 2.

نعم؛ رمضان يأتي كما الغيث، ليطهر النفوس ويغسل القلوب ويزيل كل الشوائب والأدران والقاذورات حتى تبرز الفطرة إلى عالم الوجود كما وجدت لأول مرة، وتحلق الروح إلى منزلها الاول، وتتنور العقول بالعلم النافع والحكمة، بعيدا عن الزيغ والهوى.

ألا من متعرض لرحمات الله، إنه -المطهر-، أخبرنا بذلك من لا ينطق عن الهوى، إنه الزمن المبارك، والعاقل من يغتنم الفرص، فنحن في موسم الاتجار مع الله، وكل أيامنا يجب أن تكون كذلك، وفي شهر القرآن أخص وآكد، والربح هنا لا يقدر بثمن، بقليل من الإيمان ورشحة من يقين يدرك العبد ذلك، لأنه سبحانه كريم وهاب، لا حدود لكرمه وعطائه.

والربح رحمته ومغفرته ومحبته ورضاه، أعظم به من ربح ينقلك من عالم التفاهة واللا معنى إلى عالم الحقيقة والمعنى، ربح ينقلك من المعصية إلى الطاعة، ومن الغفلة إلى اليقظة، ومن الظلمات إلى النور.

نعم رمضان ياتي كما الغيث، ليسقي القلوب والأرواح والنفوس، فإذا هي حية ورطبة من أثر رحمة الله، قد انبتت الكلأ والعشب الكثير، تلك هي الأرض النقية التي استقبلت رحمة الله وهي في تمام الافتقار والحاجة.

كل أوقات رمضان ولحظاته زمن مبارك أغلى من الذهب عند أرباب اليقظة والإيمان، فالحرص كل الحرص على اغتنام هذه الأيام المباركة بما ينفع العبد ويسعده دنيا وأخرى، فالأوقات الفاضلة سريعة الذهاب والزوال، وماهي إلا أيام معدودة حتى ينادي أحدهم بحلول العيد، فطوبى لعبد عاد وأناب، ورجع إلى مولاه وتاب، والحرمان والشقاء، لمن أدركه رمضان ولم يغفر له، نعوذ بالله، فمنهم شقي وسعيد 3، جعلنا الله من السعداء آمين، ف “يا باغي الخير أقبل ويا باغي الشر أقصر” 4.

نعم رمضان كما الغيث، لمن صامه إيمانا واحتسابا 5  “إنما الأعمال بالنيات”، 6، فالأعمال يفضل بعضها بعضا بالنية، وعلى قدر همتك تعطى، والهمة ثمرة العلم والنية، فالقناعة من الله حرمان، يريدون وجهه 7، لا إله إلا الله.

فاحرص أخي الكريم أن يعظم عملك بالنية ولو كان قليلا متواضعا، واحذر كل الحذر أن تأتي بالأعمال الكثيرة مع الظلم وفساد النية، إياك أن يكون حظك من الأعمال التعب، وهذا باب عظيم من أبواب فقه التزكية، حتى قالوا: اصحب من يعلمك حسن النية.

نعم رمضان يأتي كما الغيث، تزكو فيه النفوس وتتطهر فيه القلوب، فتعطف على الآخرين وتواسيهم وتصل الرحم بعد أن كان مقطوعا، وتتطلع إلى نصرة المظلوم، وتسعى بجد واجتهاد لولوج كل أبواب الجهاد في سبيل الله والمستضعفين، بآليات العصر وشروطه، ومع الصف وبنظامه.

بهذا يستكمل العبد المقبل على مولاه شروط الاستخلاف في الأرض، حين يسعى في خلاصه وخلاص أمته على حد سواء، فالخلق عيال الله، وأحبهم إلى الله، أنفعهم لعياله 8.

نعم رمضان كما الغيث، بل هو الغيث على الحقيقة، فالبدار البدار، والوحاء الوحاء، فالعمر قصير، والعيش بلا ذكر الله حقير، والزاد إذا لم يكن التقوى فهو الخسران المبين، والموت أقرب إلى أحدنا من شراك نعله، يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه 9.

فاللهم اسق قلوبنا بغيث رحمتك ولا تجعلنا من القانطين، وأسعدنا بطاعتك دنيا وأخرى آمين، والحمد لله رب العالمين.

 


[1] سورة البقرة الاية 186.
[2] متفق عليه عن ابن عباس رضي الله عنهما.
[3] سورة هود الآية 105.
[4] من حديث رواه الترمذي وابن ماجة عن أبي هريرة رضي الله عنه وحسنه الألباني في الجامع الصحيح.
[5] من حذيث متفق عليه عن أبي هريرة رضي الله عنه.
[6] من حديث متفق عليه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
[7] سورة الكهف الآية 28.
[8] حديث رواه  أبو يعلى والطبراني في المعجم الكبير عن أنس رضي الله عنه والقضاعي في مسند الشهاب.
[9] الآية 6 من سورة الانشقاق.