مرحبا يا مهبط الرسالات

مرحبا يا رمضان، يا درة الأزمان، يا هدية المنان إلى عباد الرحمن!

عفوا سيدي رمضان! هل فعلا تحتاج منا إلى كرم الضيافة؟ أم ترانا نحن ضيوف عندك بالنيابة؟ لقد أتانا خبر الوحي أنك كرمت في الأزل في الأرض والسماء، وأعطيت من الدرر ما لم يعطه شهر قبلك ولا بعدك في الخير والنماء، فقد اختارك الرحمن منزل الرسائل السماوية، كما أخبر الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم فقال: “أنزلت صحف إبراهيم أول ليلة من شهر رمضان، وأنزلت التوراة لست مضت من رمضان، وأنزل الإنجيل لثلاث عشرة مضت من رمضان، وأنزل الزبور لثمان عشرة خلت من رمضان، وأنزل القرآن لأربع وعشرين خلت من رمضان” 1.

لكن لرسالتنا فيك ذكرى أجمل وأشمل، وأبهج وأنضر، شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن، هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان 2، ولو خصك الله سبحانه بهذه المفخرة وحدها لكفاك عزا وشرفا، فكيف وقد حباك بمحاسن الشمائل وجميل الخلال؟

مرحبا يا جماع خير الأمة

هذه أمة الحبيب أجمعت على قبولك وإكرامك والحياء منك، مسلمهم ومؤمنهم، غافلهم وذاكرهم، فاجرهم وتائبهم، حاضرهم وغائبهم، بل حتى صغيرهم يأبى إلا أن يأخذ حظه منك تيمنا؛ فهاهي الأمواج البشرية من أمة خير البرية، على تفاوت فهمها ونياتها، تستعد قبل مشاهدة طلعتك بهجران كل ما لا يليق بحرمتك، من الغفلات والنظرات والقمارات والخمارات و… وأقبلت تشتاق مجيئك، ترجو عفو ربها ورحمة خالقها وطهارة قلبها، وهي تسمع بشرى الحبيب صلى الله عليه وسلم بمقدمك: “من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه” 3 فيسرعون إلى ربهم سجدا ركعا، تائبين إلى ربهم دعاء وتضرعا، وقد بدت للجميع فرصة أخرى من فرص العمر النادرة، آملين أن يكون حظهم أوفر، في إقالة العثرات، وغفران الزلات، واستباق الخيرات، ورفع الدرجات، وهم يعلمون أن سوقك لم يخل من سلعة، ووفرت فيه الأدوية لكل الأدواء.

مرحبا يا رمضان، حللت أهلا ونزلت سهلا ورحمة وبركة ويمنا!

فهاهي قلوبنا قد علاها الران، واشتاقت إلى مجالسة القرآن، وعمارة بيوت الرحمن، ونفحات الخلان، وقد كبلتها

الفتن ووساوس الشيطان، فالتاعت إلى زمانك الريان، وقد أنبئنا بخبر صحيح على لسان العدنان، أن زمانك هبة الله لعباده، حيث بسطت فيه كل معاني الود والرحمة، وقبضت فيه كل مظاهر الشؤم والنقمة، فهاهي أبواب الجنة قد فتحت طوال زمانك لتلقي بنفحاتها، وهاهي أبواب النار قد أغلقت لنتقي لفحاتها، وهاهي الشياطين قد كبلت لتترك القلوب خالصة لبارئها، هكذا نطق الصادق المصدوق فقال: “إذا كان رمضان فتحت أبواب الرحمة وغلقت أبواب جهنم وسلسلت الشياطين” 4.

فهنيئا لأمة الحبيب بك وبزمانك، فمحط رحمة الله مشرع، ومحط غضبه موصد، والصاد عن ذكره في أغلاله مقيد، فيا باغي الخير أقبل ويا باغي الشر أقصر، فضيفك كله مدد.

مرحبا يا رمضان، بورك زمانك، حيث يطوى فيك طيا!

وبورك العمل فيك حيث يضاعف بكرة وعشيا!

تهفو قلوب الصالحين قبل حلولك لإدراك زمانك، متضرعة إلى خالقك: “اللهم أدركنا رمضان”، وكيف لا يفعلون وقد نزل عليهم في الكتاب أن ليلة مباركة فيك، وحدها خير من ألف شهر: وما أدراك ما ليلة القدر ليلة القدر خير من ألف شهر 5، جاد الباري سبحانه فيها بمباركة العمر مئات السنين عددا، لا معصية فيها، خلصت بالقرب مددا.

مرحبا يا رمضان، وقد ابتهجت بطلعتك بيوت الرحمن!

فهاهي وفود التائبين الركع السجد، قد ضاق بهم المكان، يبتغون فضلا من الله ورضوانا، وقد استجابوا لمنادي الرحمن بين يديك يدل عليك: “يا باغي الخير أقبل ويا باغي الشر أقصر” 6.

مرحبا يا شهر القرآن!

فهذا كتاب الله قد أنار الأرض بنور تلاوته آناء الليل قياما، وأطراف النهار ختمات أرقاما، وهذه مزامير داود تحبره تحبيرا، أنى ارتحلنا في زمانك في العرب والعجم، يشنف الأسماع وكأنه نزل لتوه غضا طريا، وكأنك يا رمضان تذكر الإنسانية جمعاء، أن هذا الكتاب شفاء لعللها ظاهرا وباطنا، شرعة ومنهاجا، عبادة واعتقادا إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون 7.

مرحبا يا رمضان، وقد أظلتنا رحمات ربك فكنت شفيعا مشفعا!

تعتق رقابنا بحلولك، فطبت منزلا وحللا، فأولك رحمة، ووسطك مغفرة، وآخرك عتق من نار ساءت مستقرا ومقاما، لا بل ليس آخرك فقط، ولكن كل لياليك فداء، فما أرحم من جللك بهذه المكرمة الربانية، ويا لسعادة من أدركه زمانك، وهو يسمع بشرى الحبيب صلى الله عليه وسلم: “… ولله عتقاء من النار وذلك كل ليلة” 8.

مرحبا فلكل تاجر فيك بغية

مرحبا يا رمضان، يا قبلة تجار الرحمان! فيا لله كيف يجد كل موحد فيك بغيته؟!

– فللعصاة فيك ملاذ تدمع فيه العيون، وتعتصر فيه القلوب، وقد تلقفوا بشرى غفران الذنوب.

– وللدعاة فيك صيد لا أخاله في غيرك، يبتغون فيه فضلا من الله ورضوانا، ووفاء للعدنان والصحب الكرام خلانا.

– وللداعين فيك – من الذين عندهم عند الله حاجة – خشوع وابتهال، وكيف لا يفعلون؟ وقد وعدوا وعد الصدق على لسان الصادق صلى الله عليه وسلم: “ثَلاثَةٌ لا تُرَدُّ دَعْوَتُهُمْ الإِمَامُ الْعَادِلُ وَالصَّائِمُ حِينَ يُفْطِرُ وَدَعْوَةُ الْمَظْلُومِ يَرْفَعُهَا فَوْقَ الْغَمَامِ وَتُفَتَّحُ لَهَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَيَقُولُ الرَّبُّ عَزَّ وَجَلَّ وَعِزَّتِي لأَنْصُرَنَّكِ وَلَو بَعْدَ حِين” 9.

– وللقراء فيك فنون، أحيت في قلوب أهل الله زمن الوحي، يوم أن نزل أمين السماء على أمين الأرض في إحدى أيامك الغراء، وقد أخذ بتلابيبه أن اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الانسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم 10 فهاهم المحبرون، قد قاموا على قدم وساق، وقد اشتدت قوى الراكعين السجد وراءهم، فلا تعب ولا نصب، ولا شكوى ولا ضجر، فلله كيف أناخت القلوب في زمنك لداعي الرحمن.

– وللمتصدقين فيك سخاء فريد، فهؤلاء يفتحون قلوبهم قبل بيوتهم للمفطرين، وأولئك يطرقون بيوت اليتامى والثكالى يسدون جوعتهم ويروون عطشهم، وأولئك يتسابقون إلى بيوت الله عشيا، ينثرون التمر على جنباتها رجاء ثواب ربهم، وإذا كان للصدقة فيك شأن عظيم، فقد أكرم الله عقبك بزكاة الفطر، طهرة للصائم وجبرا لهفواته.

– وحتى لليائسين – من المظلومين الذين لسعهم مكر الطغاة، ويا لفظاعته – فيك فأل حسن، وقد أنبئوا أن زمنك نصر وفتح، فهذه بدر الفرقان، وفتح مكة والأندلس، والقادسية، والزلاقة، وعين جالوت، وحطين، وحرب أكتوبر، كلها ملاحم لم تعد زمانك، أفرحت التواقين لنصر الله، فهل يجود المولى سبحانه بمثلها تلملم جراح المستضعفين؟ وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَىٰ وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ، وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيم 11.

– وللخواص المجتبين فيك مآرب اخرى، ….. ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير 12.

وفرحة عند لقاء ربه

مرحبا يا رمضان، تقبل علينا وقد أغدقت علينا عطايا ومننا!

وتودعنا وقد بشرتنا وعودا صادقة لن تخلف أبدا!

فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “للصائم فرحتان: فرحة عند فطره وفرحة عند لقاء ربه” 13 يوم لا كرامة إلا كرامة الديان، يخصص لهم بابا لدخول الجنة يقال له الريان، خبرا صادقا من سيد ولد عدنان، فطوبى لمن أقبل على ربه تائبا صادقا، باكيا داعيا بين يدي رب رمضان!

عن سهل رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إن في الجنة بابا يقال له: الريان، يدخل منه الصائمون يوم القيامة لا يدخل منه أحد غيرهم. يقال: أين الصائمون؟ فيقومون لا يدخل منه أحد غيرهم، فإذا دخلوا أغلق فلم يدخل منه أحد” 14.

أخي الصائم! تخيل نفسك في عرصات يوم القيامة، حيث الزحام والأهوال، والصحف تتطاير تقصد أصحابها حسب الأحوال، والكل يقول نفسي نفسي، يا حسرة على العباد! فإذا بصوت يشق الضجيج: أين الصائمون؟ ادخلوا الجنة، سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار! فـيَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ 15.


[1] الجامع الصغير وزيادته برقم (2377) عن واثلة بن الأسقع (ض).
[2] سورة البقرة 185.
[3] رواه مسلم (760) عن أبي هريرة.
[4] رواه مسلم (1079) عن أبي هريرة.
[5] سورة القدر 2-3.
[6] أخرجه الترمذي (682) من حديث أبي هريرة.
[7] سورة الحجر 10.
[8] أخرجه الترمذي (682) عن أبي هريرة.
[9] رواه الترمذي (2525) وصححه الألباني في صحيح الترمذي (2050).
[10] سورة العلق من 1 إلى 4.
[11] سورة الأنفال 10.
[12] سورة فاطر 32.
[13] البخاري عن أبي هريرة (ض).
[14] البخاري عن سهل (ض).
[15] سورة آل عمران 200.