الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد النبي المختار، وعلى آله الأطهار، وصحبه الأبرار، وعلى التابعين والأئمة الأخيار، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الجزاء والقرار.

أقبل علينا المطهِّر؛ شهر الرحمة والمغفرة والعتق من النار، فوجب أن نحيِّـيه، ونستقبله بما يليق بـمقامه، ومن ذلك:

1- الفرح بالطلعة البهية لهذا الشهر العظيم، فإن بلوغ شهر رمضان من نِعَم الله العظيمة على المسلم؛ لأن رمضان مـوسم الخير، الذي تفتح فيه أبواب الجنان، وتُغلق فيه أبواب النيران، وهو شهر القرآن، ألا نفرح وربنا عز وجل يقول: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ 1؟

2- التوبة الصادقة؛ وهي واجبة في كل وقت، لكن بما أنه سيقدم على شهر عظيم مبارك فإن من الأحرى له أن يسارع بالتوبة مما بينه وبين ربه من ذنوب، ومما بينه وبين الناس من حقوق؛ ليدخل عليه الشهر المبارك فينشغل بالطاعات والعبادات بسلامة صدر، وطمأنينة قلب، ولنحرس على التوبة الجماعية، كما قال تعالى: وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ 2.

3- الدعاء؛ نسأل الله عز وجل أن يبلغنا رمضان، وأن نكمله بالطاعات والعمل الصالح، فقد كان السلف الصالح يدعو الله تعالى أن يبلِّغه شهر رمضان على خير في دينه في بدنه، ويدعوه أن يعينه على طاعته فيه، ويدعوه أن يتقبل منه عمله. كما ورد عن بعض السلف أنهم كانوا يدعون الله ستة أشهر أن يبلغهم رمضان، ثم يدعونه خمسة أشهر بعدها حتى يتقبل منهم.

ومما ينبغي أن نجتهد فيه، ونجـدَّ في طلبه خلال هذا الشهر الكريم:

الاشتغال بالذكر والدعاء؛ فإن الإكثار من ذِكر الله تعالى خيرُ مُعِين على إصلاح القلوب، والدعاء باب الله تعالى، وفي دعائنا نسأل الله الهداية لنـنشط للعبادة فإنه؛ (إذا حلت الهداية قلبا نشطت للعبادة الجوارح).

أداء الصلوات الخمس جماعة في المسجد مع التبكير إليها، وصلاة التراويح كاملة مع الإمام، بعد العشاء وقبل الفجر، قال النبي صلى الله عليه وسلم: “من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه” 3.

التهجد؛ قال تعالى: أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ 4.

ولا نـنسى الزوجة والأولاد، فإنهم خير معين على الطاعة، نصلي معهم ركعات بعد الرجوع من المسجد، ونشاركهم فرحة ودعاء ختمة القرآن الكريم “تلاوة”.

السحور؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم: “تسحروا فإن في السحور بركة” 5.

– في هذا الشهر كانت الغزوات والانتصارات الفاصلة في ديننا، فهو شهر العمل وليس شهر الكسل والخمول، فلنجعل من هذا الشهر؛ شهر الانتصار على الشيطان، وعلى الشهوات، وعلى العجز والكسل.

رمضان شهر الجُود والكرم، وطيب النفس، وقدوتنا الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم؛ ففي الحديث: “كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدَ النَّاسِ بِالْخَيْرِ وَكَانَ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ” 6.

صلة الرحـم وتبادل الزيارات بين الأقارب والأصدقاء والجيران.

دعوة الناس إلى الخير، عملا بقول الله عز وجل: وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَٰئِـكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ 7، مع الحرص على الأجواء الإيمانية واستثمار فرص الخير في هذا الشهر الكريم.

استثمار هذا الشهر المبارك في تهذيب النفس وتزكيتها، وقد بـيَّن الإمام المجدد؛ الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله دور الصيام في تهذيب النفوس في قوله: (للصوم زيادة على أثره التربوي فضل في رفع الروحانية وتصفيتها، فهو إمساك الجسم والنفس عن مبتغاهما. وتزكية نية القربة إلى الله، فتكتسب الروحانية شفافية. إن هذه النفوس أقرب ما تكون للالتئام والتحاب والتعاون إن تهذبت من كدورات الشهوات، وسمت عن الماديات. في رمضان تسود روحانية خاصة لولا تحويل الناس لياليه مناسبات للتخمة والعبث. فعلى جند الله أن يحافظوا للشهر المبارك بوظيفته، ويستمروا السنة كلها إن استطاعوا على ذلك المستوى من الشفافية) 8.

وليكن مسك الختام خطبة لخير الأنام عليه الصلاة والسلام في آخر أيام شعبان:

عن سلمان الفارسي رضي الله عنه قال: “خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر يوم من شعبان فقال: “أيها الناس قد أظلكم شهر عظيم، شهر مبارك، شهر فيه ليلة خير من ألف شهر، جعل الله صيامه فريضة، وقيام ليله تطوعا، من تقَرَّب فيه بخصلة من الخير كان كَمن أدَّى فريضة فيما سواه، ومَن أدَّى فيه فريضة كان كَمن أدى سبعين فريضة فيما سواه، وهو شهر الصبر، والصبر ثوابه الجنة، وشهر المواساة، وشهر يزداد فيه رزق المؤمن، من فطَّر فيه صائما كان مغفرة لذنوبه، وعتقَ رقبته من النار، وكان له مثل أجره لن ينتقص من أجره شيء. قالوا: ليس كلنا نجد ما يفطر الصائم، فقال: يعطي الله هذا الثواب من فَطَّر صائما على تمرة، أو شربة ماء، أو مُذقة لبن، وهو شهر أوله رحمة وأوسطه مغفرة وآخره عتق من النار، من خفف عن مملوكه غفر الله له وأعتقه من النار، واستكثروا فيه من أربع خصال: خصلتين ترضون بهما ربكم، وخصلتين لا غنى بكم عنهما، فأما الخصلتان اللتان ترضون بهما ربكم: فشهادة أن لا إله إلا الله وتستغفرونه. وأما اللتان لا غنى بكم عنها: فتسألون الله الجنة، وتَعوذون به من النار، ومن أشبع فيه صائما سقاه الله من حوضي شربة لا يظمأ حتى يدخل الجنة. فالكاسب من أدرك رمضان بحق، والخاسر من أدركه رمضان ولم يدرك هو فيه مع الله عز وجل أيَّ مقام، خاصة وأبواب الجنان مفتوحة لا يغلق منها باب، وأبواب النيران مغلقة لا يفتح منه باب، ولله عتقاء من النار كل يوم” 9.

وفقني الله وإياكم لما يحب ويرضى، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين، الحمد لله رب العالمين.


[1] سورة يونس، الآية: 58.
[2] سورة النور/ من الآية 31.
[3] رواه الإمام البخاري، كتاب: صلاة التراويح، باب: فضل من قام رمضان، حديث رقم: 2009.
[4] سورة الزمر، من الآية: 10.
[5] رواه الإمام البخاري، كتاب الصوم، باب: بركة السحور من غير إيجاب، حديث رقم: 1923. والإمام مسلم، كتاب: الصيام، باب: فضل السحور وتأكيد استحبابه، واستحبابه تأخيره وتعجيل الفطر، حديث رقم: 45-1095.
[6] رواه الإمام مسلم في صحيحه، كتاب: الفضائل، باب: “ما كان النبي صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة”، حديث رقم: 2308.
[7] سورة آل عمران، الآية: 104.
[8] المنهاج النبوي، للأستاذ عبد السلام ياسين، ص: 300.
[9] رواه ابن خزيمة في صحيحه، وانظر كتاب شعب الإيمان للبيهقي، وفضائل شهر رمضان لابن أبي الدنيا.